موقع اسلامي يهدم لنشر قيم الاعتدال والسماحة والوسطية والتعريف بعلماء تونس وموروثهم العلمي

إخراج القيمة نقدا في زكاة الفطر

0

إخراج القيمة نقدا في زكاة الفطر

     روى عبد الله بن عمر رضي الله عنه، أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فرض زكاة الفطر من رمضان على كلّ نفس من المسلمين، حرّ أو عبد أو رجل أو امرأة، صغير أو كبير، صاعا من تمر أو صاعا من شعير” (البخاري ومسلم)، وعن أبي سعيد الخدري أنّه قال: “كنّا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر أو صاعا من أقط أو صاعا من زبيب، وذلك بصاع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم” (مالك والبخاري ومسلم).

     حمل العلماء الأصناف الواردة في الحديثين على أنّها معلّلة بكونها أغلب قوت أهل البلد من غير نظر إلى قوت المخرِج، وهي كانت كذلك في عهد النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقد تكون مستمرّة كلّها أو بعضها قوتا أغلبيا في بعض الأقوام. ولأجل ذلك قال علماؤنا بأنّ العرف إذا تغيّر في قوم وأصبحوا يقتاتون بغيرها في حالة الرجاء والشدّة، كالعلس، واللحم، واللّبن، والفول، والحمص، والجلبّان ونحو ذلك من القطاني، والأرز، والتّين، والسّويق، والأقط ـ أي اللبن الجاف ـ، فإنّ الواجب إخراج زكاة الفطر من أغلبها أو ممّا انفرد منها، بشرط أن لا يوجد شيء ممّا جاء في الحديثين مقتاتا، فإن لم تكن مقتاتة أُخرج من غيرها المقتات ولو مع وجودها إن كانت غير مقتاتة؛ إذ لا عبرة به. ولا يكلّف المرء إخراج ما ليس مقتاتا له؛ لأنّ فيه حرجا عليه. وهذا ما جاء في المدوّنة وقال به اللخمي، وابن رشد، وابن العربي، وابن عرفة، وخليل، وأقرّه الدردير، والدسوقي، وزروق، وابن ناجي، والنفراوي، والصاوي.

     وفي عصرنا الحاضر، لا يقول أحد إنّ قوت النّاس اليوميّ بالبلاد التونسية ـ مثلا ـ ما جاء في الأحاديث من القمح والشعير والتمر والزبيب. ولذلك يجب التحقيق فيما هو غالب أهل بلدنا.

     وأمّا إخراج القيمة نقدا ـ أي عينا من الذهب أو الفضّة أو ما يقوم مقامهما ـ، فهي مسألة راجعة إلى حكم إخراج القيمة في زكاة الماشية والحرث والعروض والعين. والقول في المذهب المالكي أنّه لا يجزئ إخراج العروض عن الماشية والحرث والعين، ولا إخراج الماشية أو الحرث عن العين، ولا إخراج الحرث عن الماشية، ولا إخراج الماشية عن الحرث.

    أمّا إخراج العين عن الحرث والماشية، فهو جائز مع الكراهة. وعلّل الفقهاء الكراهة بأنّ القيمة قد تكون أقلّ من الواجب فيكون فيها بخس للمساكين حقوقهم. وهذا محمول على كون الّذي يقدّر القيمة هو المزكّي نفسه، فإذا كان التقدير من أهل الذّكر كالمفتي والقاضي مع تحرّي القيمة بكلّ دقّة، فإنّ الكراهة ترتفع.

     وتفترق زكاة الحرث عن زكاة الفطر أنّ زكاة الحرث واجبة في المال، أي في الأصناف التي عيّنها الشرع، فكانت مقصودة لذاتها؛ وأمّا زكاة الفطر فهي واجبة على الأبدان، فكانت الأصناف التي وردت في الأحاديث غير مقصودة لذاتها.

      وعليه، فإذا جاز إخراج القيمة عينا في زكاة الماشية والحرث، فإنّ الأولى جوازها في زكاة الفطر.

     وقد نقل جواز إخراج العين في زكاة الفطر قولا لابن القاسم من رواية عيسى، ونقل الشيخ الصّاوي استظهار بعض علماء المالكية له. وقال به من المعاصرين الشيخ محمّد الطاهر ابن عاشور وابنه محمّد الفاضل.

     وعلّة الجواز أنّه يَسْهُل بالعين سدّ خلّة الفقراء يوم العيد.

     وهي علّة مستنبطة من قرائن، كتعيينها من القوت الضروري في الحياة، واتّصال إخراجها بالعيد، واستئناسا بحديث النّبيّ صلّى الله عليه وسلم: ” أغنوهم عن ذُلِّ السؤال في هذا اليوم” (أخرجه الحاكم والدارقطني والبيهقي)، وهو وإن كان ضعيفا، فالمعروف أنّ الحديث الضعيف لا يترك جملة.

     وتحقيق العلّة كما يكون بتمكين الفقير من الطعام، يكون أيضا بتمكينه من قيمته عينا، بل قد يكون العين لكثير من الفقراء أنسب لهم وأمكن في سدّ احتياجاتهم الطارئة زمن عيد الفطر، خاصّة في عصرنا الحاضر، بما يدخله من الفرح على عوائلهم وأبنائهم بتوفير الملابس الجديدة والحلويات والمشروبات المرغوب فيها ولعب الأطفال وعرائسهم، من حيث لو أعطي الفقراء الطعام من القمح أو مشتقّاته أو الحليب ونحو ذلك ممّا هو مقتات غالبا، ما كان ليسدّ خصاصتهم يوم العيد بها؛ لأنّ الطعام الضروري متوفّر للنّاس، بل وقد يكون مدّخرا لديهم بما يكفيهم الأيام العديدة. ومن هنا اختلف الأمر عن الرعيل الأوّل الذّين شرعت في عصرهم زكاة الفطر.

     لقد كانت العين ـ من الذهب والفضّة ـ نادرة بين أيدي النّاس في عهد النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وكانت تروج بين التجّار أكثر جرّاء رحلاتهم التجارية، وكان غالب المال عند من يملك الأنعام والنخيل وشيء من الزراعة. ولقلّة العين كانت المبادلات تقوم في كثير من الأحوال على مقايضة سلع بسلع. وأمّا سائر النّاس فهم يعملون بكدّ أيديهم عند مالكي التجارات والزراعات والماشية، فكانوا أُجراء على قوتهم وقوت عيالهم. وكان من لا يعمل بسبب من الأسباب لا قوت له، فهو يعيش على الصّدقات وأعمال البرّ ممّن يرغب في الثواب من الله تعالى، وعدد هؤلاء ليس بالقليل، فهم يمثّلون جزءا كبيرا من المجتمع.

     فبهذا نفهم لماذا لم تشرع زكاة الفطر من العين، وشرعت من الطعام القوت؛ لأنّه متوفّر لجمهور النّاس، وكان يسدّ بحقّ خصاصة الفقراء الذّين لا يجدونه في يومهم. ولو كانت العين رائجة بين جميع النّاس لم يبعد أن تشرع زكاة الفطر منها، كما شرعت الزكاة الفريضة فيها لمن يملك النّصاب منها.

     وقد ثبت القول بجواز إخراج القيمة في زكاة الفطر عن بعض التّابعين كالحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، ومن أئمّة المذاهب أبو حنيفة وسفيان الثوري.

     فتبيّن أنّ أحكام زكاة الفطر معلّلة، وليست تعبّدية. فإنّ وجوبها معلّل بكونه طهرة للصّائم من اللّغو والرفث؛ وتعيين الأصناف الواردة في السنّة معلّلة بكونها قوتا غالبا لأهل البلد؛ وتخصيصها بالفقراء معلّل بإغنائهم وسدّ احتياجاتهم يوم العيد.

     والدليل على تخصيص الفقراء والمساكين بها ما روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: ” فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللّغو والرّفث، وطعمة للمساكين. من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أدها بعد الصلاة في صدقة من الصدقات” (أخرجه أبو داود وابن ماجه بسند حسن) فقد نصّ على أنّها طعمة للمساكين، فلا تكون لغيرهم.

  (البيان والتحصيل: 2/486، التوضيح: 2/370، ومنح الجليل: 2/103؛ والبيان والتحصيل: 2/430، ووحاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 505، وشرح زروق وابن ناجي على الرسالة: 1/342، والفواكه الدواني: 1/356، 358، وحاشية الشرح الصغير: 1/238، الفتاوى التونسية: 2/734، 739)

والله أعلم

 الشيخ الحبيب بن طاهر

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...
%d مدونون معجبون بهذه: