موقع اسلامي يهدم لنشر قيم الاعتدال والسماحة والوسطية والتعريف بعلماء تونس وموروثهم العلمي

الإرث الشرعي والإرث السياسي – د. محمد المستيري

0

ما عسى أن يرث المواطن من سياسات فاشلة عجزت عن مقاومة الفقر والبطالة والمديونية سوى الخيبة والوعود الكاذبة والبيانات الانتخابية الاستباقية التي تجرؤ على استدعاء الإرث الديني لإضفاء الشبهات حوله وإلهاء الرأي العام بها.

حين هلل أهل التوافق السياسي في تونس على صياغة الدستور الجديد، كنا ولا نزال ننبه إلى أن التوافق السياسي لا يجب أن يحجب ضعف الاتفاق الداخلي فيه. فهو مزيج من فصول متناقضة يمثل بعضها خطرا على السلم الاجتماعي. فالفصل السادس الذي ينص على حرية المعتقد والضمير ليس سوى انتحال للفصل الأول لقانون العلمانية الفرنسي لسنة 1905 الذي يعبر عن روح العلمانية المتجاهلة باسم الحياد والتحررية للهوية الدينية. إذ لا يمكن أن نجمع بين المعتقد واللامعتقد المعبر عنه بالضمير. بينما يدعو الفصل الواحد والعشرين إلى التساوي التام بين المرأة والرجل دون أي اعتبار لمبدأ العدل في الإسلام الذي يقتضي تمييزا بين الذكر والأنثى في أحيان كثيرة لتحقيقه. وهو فصل استند إليه أدعياء مناهضة العنف ضد المرأة لإعلان قانونهم الجندري الذي اعتبره أهل التوافق السياسي إنجازا تاريخيا. ويأتي الفصل التاسع والثلاثين ليقر مرجعين في التعليم، الدين وثقافة حقوق الإنسان الدولية اللادينية.

كل هذه المداخل وغيرها كافية للدعوة إلى مراجعة منظومة الميراث في الإسلام أو إباحة زواج المسلمة من غير المسلم. والقادم أسوأ فقد يدعو بعضهم إلى صياغة جديدة لإسلام تونسي يخضع لشروط الاتحاد الأوروبي أو صندوق النقد الدولي الدولي لمزيد إغراق البلاد في الديون والاستعمار والتبعية.

إن التنصيص على مدنية الدولة بمشروطية علوية القانون الوضعي يمنح الدولة الحق في الاجتهاد في الدين أصولا وفروعا. ووجب هنا تصحيح الشائع عند الناس من المنسوب كذبا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قولهم “من اجتهد وأصاب…” على وجه العموم، أي كل من اجتهد وأصاب من عالم وجاهل بالدين. والنص الصحيح الذي ورد في الصحيحين عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول”إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر” والمقصود بالحاكم القاضي العالم بالأحكام الشرعية وليس حاكم “الدولة المدنية”. ولا يجوز لغير العالم بالشريعة الاجتهاد في تأويلها فما بالك بالدعوة إلى نقضها. ولا ريب أن المواريث في الإسلام وردت مفصلة بنصوص محكمة الدلالة لذا كان إجماع العلماء عليها. وكذا الأمر في تحريم زواج المسلمة من غير المسلم. وكل ذلك لمقصد حفظ عقيدة الأسرة وأواصرها وواجب التنشئة السليمة داخلها.

إن تغييب العالم بالشريعة في وضع الدساتير والقوانين في بلد دينه الإسلام كما ينص عليه الفصل الأول من الدستور سيعود بالمضرة على مصالح البلاد كلها وخاصة مصلحة السلم الاجتماعي التي تفرض احتراما للأصول والأعراف والمرجعيات الدينية والأكاديمية. ولا شك أن ضحالة التنشئة الدينية في المؤسسات التربوية العمومية من حيث غياب تعليم المواد الشرعية من فقه وقرآن وحديث وعقيدة وهو ما تنفرد به تونس في عموم العالم العربي والإسلامي، يجعل الثقافة الدينية محدودة لدى عموم الشعب وخصوص النخب السياسية. ومن المؤسف أن يشرع التعليم الشرعي في مستوى الجامعة فقط وأن يسند ذلك لجامعة وحيدة تحمل عبء التخلف الديني في البلاد وهي جامعة الزيتونة. فهل لها بإمكاناتها المادية المحدودة وضمن إرادة سياسية إقصائية لها متواصلة منذ ما يسمى بالاستقلال أن تتصدى لهذه المسؤولية الجسيمة؟

الرأي عندي أن واجب الزيتونة التعليمي والتربوي يجب أن يتجاوز حصونها وأن يكسر الحصار المفروض عليها إعلاميا وسياسيا، وذلك بالإصرار على الاجتهاد في إنتاج المعرفة والتفوق فيه. فلا سبيل لمواجهة التخلف الديني إلا بالاجتهاد في تفسيره والنظر في القضايا المعاصرة الحارقة التي يفرضها واقع الأمة الإسلامية المستضعفة. يجب أن نجتهد في وضع تصورات إسلامية لمقاومة الفقر والفساد نحو تنمية حقيقية لأمتنا، يكون فيها العالم بالشريعة في خدمة شعبه وأمته لا مطية للمفسدين والمتآمرين.

د. محمد المستيري

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...