الإمام أبي الحسن علي النوريّ الصفاقسيّ

0

مولده ونشأته :

ولد علي النوري بمدينة صفاقس وذلك سنة 1053 هـ /1643 م .
ونشأ في أسرة متواضعة , إذ كان والده فقيرا ومن أجل ذلك لم يوافقه علي السفر إلى حاضرة تونس للتعلّم في بداية الأمر .

طلبه العلم وحلته العلمية و شيوخه :

بدأ الشيخ علي النوري بحفظ القرآن العظيم في الكتاب , فأتمّه وهو ابن عشر سنين .
ثم اتجه نحو أخذ مبادئ العلوم الشرعية عمّن توفر في صفاقس من العلماء.
ومن شيوخه الذين أخذ عليهم في صفاقس الفقيه المربّي ذي التكوين الأزهري
الشيخ أبي الحسن الكرّاي , الشيخ الخطيب حسن الشرفي , والشيخ المفتي أحمد السماوي .
ولمّا بلغ السنة الرابعة عشرة من عمره أي في حدود 1067 هـ /1658 م , تعلّق طموحه بالسفر إلي تونس لتعميق دراساته , واستكمال تعليمه علي أيدي علماء الحاضرة ،و نيل شرف الاتصال بهم واستجازتهم وأخذ الأسانيد العلمية عنهم .

وفي تونس قرأ مدّة ستّ سنوات , علي نخبة من علماء الزيتونة منهم :
– الشيخ الفقيه عاشور القسنطيني .
– الشيخ سليمان الأندلسي .
– الشيخ محمد القروي .

وقد أثنى عليهم الشيخ علي النوري في فهرسته .
وقد كان حريصا علي أن ينال إجازات العلماء بالكتب التي يؤلّفونها أو التي يدرّسونها , في شتى العلوم الشرعية . وهذا السبب الذي حمله على السفر إلي مصر لطلب العلم في حدود سنة 1073 هـ /1663 م .
وفي الأزهر لازم الشيخ علي النوري جلة من العلماء المبرزين , وأخذ عنهم مختلف العلوم الرائجة في رحابه , كالقراءات والتفسير والحديث والتوحيد والفقه والمنطق وعلم الهيئة .

– فقد قرأ القراءات على :

– المقرئ الشيخ علي الشيراملّسي ( ت – 1087 هـ /1676 م ) .
– المقرئ الشيخ محمّد بن محمّد الأفراني المغربي السوسي ( ت -1081 هـ /1670 م ) , والذي منه يتصل إسناد الشيخ علي النوري في هذا العلم إلي أبي عمرو الداني ( ت – 444 هـ /1052 م ) , ومنه إلي الرسول الأكرم صلي الله عليه وسلم , وقد أجازه شيوخه في القراءات وأثنوا عليه .

وقرأ الفقه والحديث على :

– شيخ الأزهر آنذاك , إمام المالكية في عصره , محمّد بن عبد الله الخرشي (1101 هـ /1690 م ) , صاحب الشرح المشهور على مختصر خليل , وأجازه فيهما إجازة مطلقة .
– والشيخ إبراهيم الشبرخيتي ( ت – 1106 هـ /1694 م ) , صاحب شرح على مختصر خليل , وأجازه فيهما إجازة مطلقة , كما أجازه بأسانيده في رواية الصحيحين والموطأ برواية يحي بن يحي الليثي , وعيون الأثر في المغازي والسير لابن سيد الناس والشفاء للقاضي عياض ، والأربعين النووية للنووي والتذكرة للقرطبي وتفاسير البيضاوي والبغوي وأبي حيان الأندلسي والزمخشري وابن عطية والرازي والواحدي وهذه الإجازة مؤرخة بيوم الجمعة 4 ربيع الثاني 1078 هـ بخط الشيخ المجيز , وهي موجودة الآن بدار الكتب الوطنية بتونس .

– وأخذ الحديث أيضا عن الشيخ أبي إسحاق إبراهيم المأموني الشافعي ( ت – 1079 هـ /1669 م ) , وأجازه فيه .

– وقرأ على الشيخ شرف الدين يحي بن زين الدين , حفيد شيخ الإسلام زكرياء الأنصاري قطعة من الصحيحين وأول الموطأ وأول سنن الترمذي , وكتب له إجازة بهذه الكتب وبغيرها وذلك يوم 5 ربيع الثاني سنة 1078 هـ , وهي موجودة الآن بدار الكتب الوطنية بتونس .

وللشيخ علي النوري غير هؤلاء من الشيوخ والأساتيذ والمجيزين الذين لقيهم بمصر ,وقد أفاض في ذكرهم في فهرسته.

مكانته العلمية :

فقد وصف محمد مخلوف الشيخ علي النوري بالإمام ,المقرئ ,المحدث ,المسند , العلامة ,الفقيه , المتكلّم , المحقق, المتفنّن, الحامل راية العلوم باليمين , القدوة ,المربّي , المتمسك بعرى الدين السالك سنن المهتدين والفضلاء الواصلين.
وذكر مقديش أنّه كان ثقة ,عمدة في علوم الدين ,من حديث وتفسير وفقه وقراءة وأصول الدين وأصول الفقه ومغاز وسير…
هذا مع شهادة شيوخه بنبوغه وعالميته وعلي شهرته وبعد صيته في الآفاق .

حركته العلمية والإصلاحية :

رجع الشيخ علي النوري إلي بلده بعد ما يزيد على عقد من الزمان , فوجده كما تركه, في حالة من الضعف العلمي, وانتشار البدع عن طريق المتصوفة المنحرفين, والتهديد المستمر بالإغارة على سواحله من طرف القراصنة المالطيين , ووجد نفسه أمام مهمّة يمليها عليه واجب النصح لدينه وأمّته , وهي نشر العلم وإصلاح وضع مجتمعه ,فهما وعملا , لإرجاعه إلي حظيرة الإسلام , ورد كيد القراصنة المالطيين .

1 – قام بإحياء علوم الإسلام .

– إنشاء مدرسة لتعليم القرآن وتحفيظه , ولتدريس سائر العلوم الشرعية فقد اتخذها من محلّ سكناه وبناها قصدا لذلك وهي علي غرار المدارس المحدثة في ذلك العصر , وجعل فيها ثلاث بيوت لسكني الطلبة الوافدين من الضواحي والبلدان الأخرى.
– إنشاء مكتبة نفيسة عظيمة , متنوعة بتنوّع العلوم الدينية ,يضاف إليها الحساب والفلك والطب وقليل من كتب اللغة والأدب والتاريخ .
– قيامه بتأليف بعض الكتب وسنتحدث عنها فيما بعد .
– قيامه بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وغرضه من ذلك مقاومة الإ نحرافات الدينية والاجتماعية ,والرجوع بالناس إلى الإسلام النقي لتحديد أفكارهم وضبط سلوكهم .

2– قام بإحياء الجهاد .

فقد كان الناس بصفاقس يشكون من عدوان قراصنة مالطة ( فرسان القديس يوحنّا ) على سواحلهم , ينهبون الفن الراسية ويخطفون الغافلين الآمنين من البحارة ومن يقدرون على الوصول إليه من الناس ,ويسوقونهم أسرى.

فدعا إلي الجهاد في سبيل الله تعالي , وتشاور مع أهل الفضل من أهل صفاقس في إنشاء سفن لهذا الغرض , فوافقه أكثر الناس على ذلك وقام بجمع المال لإنشاء السفن , وأنفق هو من ماله الشئ الكثير , وأصدر فتوى بوجوب الجهاد لردّ هذا العدوان واعتبره واجبا عينيا على كل مكلّف . وقام بتنظيم شؤون المجاهدين بنفسه, وجعل لهم مقدّما يأتمرون بأمره ويصلّي بهم إماما, وهو الشيخ الصالح أبو عبد الله قوبعة تلميذه . وقد كلل الله تعالي جهادهم بالنصر , فانقطع اعتداء الكفار وغنم المجاهدون منهم خيرا كثيرا وقد تمّت حوالي سنة 1113 هـ /1703 م قبل وفاته بخمس سنوات .

حركته العلمية والإصلاحية :

– الشيخ أبو الحسن علي التميمي المؤخر
– الشيخ أبو الحسن علي بن خليفة
– الشيخ أبو العباس أحمد النوري
– الشيخ أبو عبد الله محمد الحرقافي
– الشيخ أبو عبد الله محمد ابن المؤدب الشرفي
– الشيخ أبو عبد الله محمد المكّي
– الشيخ أبو عبد الله محمد الغراب
– الشيخ علي بن سلامة المهدوي
– الشيخ عبد الكريم القسنطيني
– الشيخ أبو إسحاق إبراهيم الزغنّي

وغيرهم كثير ومن خلال تراجم هؤلاء ودرجاتهم العلمية ومؤلفاتهم ومن تخرّج عليهم من العلماء ,ندرك الآثار العظيمة التي حققتها مدرسة الشيخ علي النوري في تجديد النهضة العلمية بتونس .

مؤلفاته :

المطبوعة :

1 – غيث النفع في القراءات السبع .
2 – تنبيه الغافلين وإرشاد الجاهلين عمّا يقع لهم من الخطأ حال تلاوتهم لكتاب الله المبين .
3 – أدعية ختم القرآن .
4 – رسالة في حكم السماع وفي وجوب كتابة المصاحف بالرسم العثماني .
5 – المناسك , أم مناسك الحج والعمرة والزيارة .
6 – المنقذ من الوحلة في معرفة السنين وما فيها والأوقات والقبلة .

المخطوطة :

1 – أسئلة في القراءات .
2 – معين السائلين من فضل ربّ العالمين .
3 – مقدمة في التوحيد وفقه الصلاة والتصوف .
4 – الهدى والتبيين في ما فعله فرض عين على المكلّفين .
5 – فتاوى فقهية حول الطهارة والصلاة .
6 – ثلاثة رسائل في تحريم الدخان .
7 – رسالة تقريض على كتاب ” تحفة الإخوان في التحذير من حضور فقراء الزمان ” .
8 – إجازة و وصية , كتبها المؤلف إلي تلميذه عبد الحفيظ بن محمد الطّيب .
9 – العقيدة النورية في اعتقاد الأئمة الأشعرية .

وفاته :

لقد قضى الشيخ علي النوري حياة حافلة بجليل الأعمال ونافعها , ابتدأها في سنّ الخمسة والعشرين ,وانتهى منها في سنّ الخامسة والستين ,حين لبّي داعي ربّه , يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الأول سنة 1118 هـ /25 جوان 1706 م . ودفن بالمقبرة العامة التي خصصها من أراضيه لدفن موتى المسلمين , وأوصى أن يدفن تلاميذه بجانبه . فرحمه الله تعالي .

 

من كتاب العقيدة النورية – دراسة وتحقيق الشيخ الحبيب بن طاهر –
اليمامة للطباعة والّنشر والّتوزيع – بتصرف –

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Loading...