د. المستيري يكتب .. الثورة والحق في الكرامة بين السياسي الوظيفي وصانع القرار السياسي

0

الثورة والحق في الكرامة
بين السياسي الوظيفي وصانع القرار السياسي

من عظيم ما يذكر عن الكواكبي منذ القرن التاسع عشر قوله:”إن الثورة غالبا ما تكتفي بقطع شجرة الاستبداد ولا تقتلع جذورها، فلا تلبث أن تنبت وتنمو وتعود أقوى مما كانت أولا”. لقد أدرك فلاسفة اليونان والإسلام والحداثة غاية تحقيق العدل في التغيير السياسي وإقامة مجتمع الفضيلة قديما أو المدنية حديثا. ولم يختلف علماء الإسلام من أهل الأصول مطلقا في اعتبار العدل المقصد من الاجتماع المدني وانعقاد الإمامة السياسية. بل جعل العدل المبحث الدال على الفعل التكليفي عامة. فكلما كان الفعل الإنساني محققا للعدل ونافيا للظلم كلما كان إلى الفطرة والكرامة الآدمية أقرب والمعبر عن المسؤولية الإنسانية. فإذا اكتفت الثورات بالإطاحة بأنظمة الاستبداد الذي خلف ثقافة استعبادية بين الناس وداس بمعاني الكرامة الإنسانية في القوت والسكن والشغل والعلم، دونما قدرة على استبدالها بأنظمة عدل تحفظ للإنسان كرامته، فستنتهي إلى معنى الانتفاضة والغضب الشعبي في سياق لحظة تاريخية عابرة. ولا تخلو حركات التغيير للأنظمة الاستبدادية حتى ولو كانت بطريق الانقلابات من مكسب آلي ومتنفس جزئي في مستوى الحريات العامة، ولكنه يظل بلا معنى إن لم يبنى على صيانة الحق في الكرامة. فلا تغني حرية التعبير عن الحق في الكرامة المعبرة عن ثورة فعلية في اتجاه التنمية العادلة والشاملة.

معضلة التحول السياسي “الثوري” الرئيسية أنها كشفت عن ضعف كبير في الإرادة السياسية العدلية وفراغ أكبر في الرؤى الاستراتيجية والمستقبلية لتحويل شعار الكرامة إلى برامج تنموية. وهو ما شوه الفكر السياسي والأداء السياسي على حد السواء وسمح بانتشار ظاهرة انتحال الصفة الثورية أو تبييض السير الذاتية السياسية المشبوهة وتداخل الهويات السياسية وتمييعها. إن طول مرحلة الاستبداد أفقد الحيوية السياسية للمجتمع المدني الذي يفترض أن يكون رقيبا وناقدا للسياسي، وأضعف كثيرا الوعي الجمعي والشعبي بالمشاركة السياسية، ولم يسمح للأحزاب السياسية بالتطور. فلقد ظلت أحزابنا وحكومتنا السياسية المتعاقبة بعد الثورة الشعبية تمارس السياسة وتصنع لها خطابا بعقل قديم ومتهرئ ينتمي إلى فضاء الصراع الأيديولوجي في الستينات الذي لم يكن قادرا على وصل السياسة بالتنمية. السياسي الأيديولوجي بالمعنى المتجاوز لا يختلف عن السياسي الإداري في توهمه بأن السياسة وظيفة تحدد وتدار داخل حصون حزبه المغلقة أو مسالك الدولة المحدودة، في إهمال وتجاهل تام لدور المجتمع المدني والمثقفين والأكادميين والإعلاميين ولمراكز البحوث والتوعية ومطابخ الأفكار السياسية وجماعات الضغط واللوبيات. جميع هذه الجهات غير الممثلة في التصور التقليدي للحزب وللدولة هي التي تصوغ وتوجه بشكل كبير الرأي العام السياسي والوعي الشعبي بالسياسة. السياسي الوظيفي يصاب بنرجسية وبانغلاق وبجهل للحراك السياسي من حوله يجعله عاجزا عن التفاعل السريع مع الأحداث واتخاذ القرارات الحاسمة والتفكير الاستراتيجي والإبداعي. حين تتحول “السياسة الوظيفة” إلى مصدر للقوت لا يمكن أن تبدع حلولا لمقاومة الفقر والبطالة والأمية والعنف المدني المستفحل.

إذا أردنا لـ”ثورة الكرامة” أن تسير باتجاه تحقيق الكرامة بالتنمية الاجتماعية الشاملة يجب أن تشرع بتثوير الممارسة السياسية من أجل تجاوز عقلية السياسي الوظيفي التي تكبل أداء الأحزاب والدولة وتثقله نحو بناء منهج جديد في الأداء السياسي يراهن على القدرة على صناعة القرار السياسي بالشراكة بين جميع المفكرين والفاعلين في الشأن السياسي. حين يتحول السياسي الوظيفي إلى صانع القرار السياسي Maker يمكن أن نتجه نحو تحقيق الكرامة التي هي ضامن الحريات والاستقرار. السياسي “صانع القرار السياسي” هو الذي يشتغل باستمرار لوضع خططه المستقبلية واتخاذ قراراته الحاسمة مع مراكز بحوث استراتيجية متعددة التخصصات والمرجعيات تكون القلب النابض لعمل الحزب والدولة. وهو الذي ينصت باستمرار لنبض الشارع الذي تعبر عنه مؤسسات المجتمع المدني ووسائل الإعلام المسؤولة ومختلف أنواع التعبير الاحتجاجي المشروع. فالاحتجاج الشعبي يمثل العمق السياسي للناس ويجب أن يكون من مرجعيات القرار السياسي الأساسية. لم تعد السياسة بالمعنى الحديث انتماء إلى فضاء إيديولوجي أو ارتقاء في سلم إداري تجعل منها مجرد وظيفة مهنية بل أصبح من الضروري وهي تواجه المخاطر الدولية والداخلية المركبة والمعقدة أن تكون حاملة لمشروع ينهض بمستوى حياة الشعوب وتحضرها. وأمام تمدد مساحة المشتغلين بالسياسة فكرا وتوعية وإدارة من حيث الشبكات الدولية البحثية الاستراتيجية وتداخل السياسي فيها بالاقتصادي والثقافي والديني، أصبح من الواجب على سياسي الحزب والدولة أن ينفتح على التطورات في عالم الفكر السياسي والممارسة السياسية، عالم الصناعة السياسية الشبكية والهندسة السياسية المستقبلية من أجل خير الإنسان والإنسانية.
د. محمد المستيري

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Loading...