موقع اسلامي يهدم لنشر قيم الاعتدال والسماحة والوسطية والتعريف بعلماء تونس وموروثهم العلمي

الجامعة الزيتونية الواقع والآفاق

0

 

إنّ هذه الجامعة هي الوريثة الشرعية لما بقي من الجامع الاعظم وفروعه بعد توقف التعليم الزيتوني بهذا المعلم التليد، ولقد وقف بقية السلف الصالح من علماء الزيتونة للحيلولة دون انقطاع السّند العلمي ببلدنا، فعملوا في بداية الستينات على بعث الكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين وكانمن أول عمدائها الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور، وتحوّل الذين كانوا من مشيخة الجامع الأعظم إلى التدريس بها، وانتدب لها الطلبة الذين كانوا يدرسون بالجامع الأعظم والذين انقطعوا أو التحقوا بوظائف التدريس بالمعاهد الإعدادية والثانوية لمواصلة تعليمهم العالي وكان من الشيوخ الأساتذة في الستينات الشيخ محمد الشاذلي النيفر والشيخ عبد العزيز بن جعفر والشيخ محمد الحبيب بن الخوجة والشيخ محمد الإخوة والشيخ المختار بن محمود  والشيخ العربي الماجري والشيخ أحمد بن ميلاد. إضافة إلى مجموعة من الأساتذة تكوّنوا في الجامع الأعظم وكانت لهم شهادات شرعية وتحصّلوا على شهادة الدكتوراه أو التبريز من جامعات أخرى أذكر منهم الأستاذ أحمد بكير والأستاذ التوهامي نقرة والأستاذ محمود شمام والأستاذ محمد الطاهر بن عثمان وغيرهم كثير لا أحصي عددهم، بارك الله في أعمارهم وأعمالهم ونفعهم بها في ميزان حسناتهم.

وتخرّج على هؤلاء، أساتذة وشيوخ في العلم نهلوا من هذه المؤسسة الزيتونية المحدثة بعد الاستقلال التي كانت تدرّس علما شرعيا صحيحا مؤصّلا نذكر منهم (وهم أساتذتها) الدكتور بولبابة حسين والدكتور عبد الله الوصيف والدكتور عبد المجيد النّجار والدكتور رشيد التليلي والدكتور الشريف الرحموني والدكتور محمد أبو الأحضان والدكتور محمد بن إبراهيم تخرّجوا من هذه الكلية (التي أصبحت بعد ذلك جامعة) وارتحلت طائفة منهم إلى القاهرة ليدرسوا في جامعة الأزهر (وليس في جامع الأزهر) وتحصّلوا على شهادة الماجستير أو التبريز منها فهؤلاء كانوا زيتونيين وأزهريين وشاء الله سبحانه وتعالى بلطفه وإحسانه أن يستمر العلم الشرعي، وإن كان استمراره ضعيفا وثمره قليلا وأجرى الله من سننه في خلقه ما مكّن من المحافظة على دينه رغم كيد الكائدين وسفه المبطلين.

ثم درس على هؤلاء الزيتونيين الأزهريين وعلى طائفة من البقية الباقية من المشايخ الزيتونيين طبقة ممّن أجرى الله على أيديهم النّفع للزيتونة، كنت واحدا منهم تعرّضوا للمحنة الثانية من محاولة تقزيم الكلية الزيتونية وقطع شرايينها التي بدأت تمتد من جديد في أطراف المجتمع التونسي وقد حَسرَتْ نفوس المغرضين أن يُبْعَثَ الخطاب الديني من جديد ويصبح مطلبا شعبيا. ففي أواخر الثمانينات وبداية التسعينات تعرض الزيتونيّون من جديد لمكابدة  شبيهة بالمكابدة الأولى التي عانى منها سلفهم في مطلع الستينات وكان في كل مرحلة بطانة سوء من الانتهازيين والمُتَغرّبين يباركون هذه المشاريع التغريبية وبلغت هذه الحملة الصليبية الهوجاء ذروتها في منتصف التسعينات بحذف معهد الشّريعة الذي هو أُسُّ المعاهد الزيتونية كلّها وتخصيص معهد الحضارة للطلبة الأجانب الوافدين من البلاد الإسلامية وترك مُعيهد لا يفي بالحاجة للطلبة التونسيين ولم يكفهم ذلك فغيّروا برامج هذه الجامعة  ووضعوا العوائق والمُنفّرات للحيلولة دون التّوجه إلى جامعة الزيتونة وتوقيف الانتدابات في صفوف الأساتذة بدعوى عدم الحاجة مع منع تنظيم الندوات العلمية الدولية ومنع استدعاء الأساتذة المتخصّصين في العلوم الشرعية وتأسست علاقات مع المعاهد القريقورية والبابوية في إسبانيا وإيطاليا وغيرها على امتداد خمس عشرة سنة (1995 –2010 م).

ووقع نقل جامعة الزيتونة من موقعها بمونفليري إلى مكان أضيق و أدْوَنَ بمعقل الزّعيم، مؤسسة انتقلنا إليها في سنة 1997، أقل مؤسسات التعليم العالي هيكلا وتمويلا، أشرف على ذلك أكثر الناس عُقوقا ، أنْعَتُهم ولا أسمّيهم، إذ قد يكون في تسميتهم بعض الشّرف، مؤسسة لا تفي بالحاجة ولا تستر الوجه كما منعت في هذه المحنة الثانية مناقشة كثير من الرسائل الجامعية في شتى الاختصاصات الشرعية، واُطْرد كثير من الطلبة في المراحل المختلفة من التعليم العالي، واضطر كثير من أساتذة الزيتونة إلى مغادرة البلاد للتدريس بالجامعات الإسلامية في الخليج وغيرها. وكان لهم دور لا ينكر في النهوض بالتعليم الشرعي فيها ولكنّ هذه الضّربات التي كيلَتْ للجامعة الزيتونية زادت في صمود المنتسبين إليها، زادتهم إصرارا في طلب العلم يسعون إليه بكل سبيل لا يعرفون وَهَنًا ولا استكانةً.

فلما بدأت الحياة الدينية تدبّ في الأمّة التي آمنت بضرورة خلع أسمال التّغرب عنها وأرادت أن تحيا حياة الكرامة والعزّة، بدأ الصامدون في الزيتونة يأخذون مواقعهم بعد صراع مرير دام ما يقارب من عقدين من الزمان، وتسرّبوا شيئا فشيئا إلى مواقع التأثير ليشاركوا بصفة فعالة في التدريس والتأطير والمناقشة والإشراف وتكوين الطلبة وبدأت الزيتونة تتنسم الصّبَا بعد سبات طويل، قامت الثورة فعمت الحرية النفوس والأوطان، وكان استبشارنا بأمرين: رفع القيود والأغلال عن الأمة، ورفع الأكبال والموانع عن الفكر والدين.

وتحركت في نفوس الزيتونيين المخلصين مشاعر النهوض بالجامعة الزيتونية وريثة الجامع الأعظم إذ كان من طموحها أن تنهض بالعلم الشرعي كما نهض به الجامع الأعظم من قبل ولا يوجد ببلدنا من له إمكانية القيام بهذا الدور الجليل إلا الجامعة الزيتونية التي استطاعت بما توفر لها من إمكانيات أن تُخرّج المتخصّصين في العلوم الشرعية على امتداد خمسين سنة، فبعد إنهاء التدريس بالجامع الأعظم، اهتمت هذه المؤسسة التي بعثها نخبة من المشايخ الزيتونيين بمدّ أواصر العلم والتكوين الشرعي في الأجيال اللاحقة وقد كنت مع غيري ممّن هو من طبقتي قد أدركوا ثلة منهم، كالشيخ عبد العزيز بن جعفر والشيخ كمال الدين جعيط والشيخ الشاذلي النيفر والشيخ عز الدين سلام و الشيخ السهيلي والأستاذ محمد الحبيب الهيلة و قد استفدت كثيرا من والدي الشيخ عبد الكريم قريسة الذي قرأ على الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور والشيخ محمد الفاضل بن عاشور والشيخ الهادي العلاني والشيخ البشير النيفر والشيخ عبد الرحمان بن يوسف والشيخ عبد العزيز جعيط وغيرهم وكان ذلك قبل الاستقلال.

فلما رُفعت الغمّة عن الأمّة واستبشر الناس قلنا هذا موعد تحقيق الأماني وإنشاء المباني نعتني بهذه الجامعة الزيتونية التي نرجو من الله تعالى أن تكون جامعة خير وتأليف للقلوب وإحياء للعلوم، وتكريم للمتخرّجين منها بالشهادات السّنية والألقاب العلية، نبني لها مقرا مناسبا وندفع لها شبابا وطنيا واعيا، وننتدب لها أساتذة تملأ نفوسهم الغيرة على الإسلام وأهله ونضُخ لها أموالا تحسن خدماتها ومكتباتها واحتياجاتها المهنية، فلما تعلقت آمالنا بهذه المعالي، تعالت أصوات من هنا وهناك، ممن هم من جلدتنا، يهمهم ما يهمنا، لا متغربين ولا كائدين، ينادون بإحياء الجامع الأعظم وإحياء شهاداته العلمية، وبرامجه التعليمية وبازدراء جامعة الزيتونة وإلغاء شهاداتها ودورها بدعوى أنها صنيعة بورقيبة وأنها لا تصلح أن تقوم بهذا الدور الشرعي الذي يسعى الغيورون إلى تحقيقه، نَسُوا أو تَناسوا أنّ الكلية الزيتونية أسسها مشايخ الزيتونة منذ مطلع الستينات ودرّسوا فيها  علوم المقاصد وعلوم الوسائل وواصلوا من خلالها إمداد الأمة بالعلم المحيي لروحها تنفيذا لقدر الله أن يبقى نوره وهديه مضيئا فيها، لا يخبو ما بقي الثقلان.إنه لا تعارض بين ما تؤديه جامعة الزيتونة كمؤسسة علمية شرعية معاصرة أخذت بمتطلبات الحضارة من الأصالة والحداثة وبين ما يمكن أن يؤديه جامع الزيتونة  الأعظم بما سيحدث من الفروع في مختلف جهات الجمهورية من تكوين شرعي يكون باعثا للقيم الإسلامية في الأمة مهيئا للتكوين الشرعي العام فيها، ورافدا للجامعة في أن تعد العلماء في الشريعة تحتاجهم الأمة في بناء الرؤى النيّرة، المفيدة للخلق، الجامعة للكلمة، المؤسسة للدعوة الحكيمة التي تبشر ولا تنفر، تُيَسّر ولا تُعسّر.

لماذا نفترض أن يتعارض المسلكان مسلك الجامع ومسلك الجامعة ، إن ماهو مطلوب من الأمة أن تحققه أعظم بكثير من أن تقوم به مؤسسة واحدة ، أو جهة واحدة ، إنه دين الله الممتد في الزمان والمكان، المتصل بالإنسان في جميع مجالات حياته ، وهذا يحتاج إلى تسخير جهود المسلمين متضافرةً لتحقيقه، ولذلك فإن كل مدرسة تُفتح لتدريس العلوم الشرعية إنما هي لبنة توضع في صرح الإسلام، المهم في ذلك هو كفاءة المدرسين وصلاحهم الذين سيتولون التعليم الشرعي والمهم أيضا هو تكوين جيل إسلامي متجانس في رؤاه ، متقارب في أطروحاته ، مخلص ، يكون هواه تبعا لدينه ، ينبذ الفرقة وينشد الألفة ، وهذا هو الذي يجب أن تكون عليه هذه المؤسسات الشرعية ، أن تُسدّد وأن تُيسّر وأن تقارب ما استطاعت إلى ذلك سبيلا مصدقا لقوله صلى الله عليه وسلم: “يسّروا وسدّدوا وقاربُوا. “

تونس – الضمير – د.هشام قريسة

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...
%d مدونون معجبون بهذه: