موقع اسلامي يهدم لنشر قيم الاعتدال والسماحة والوسطية والتعريف بعلماء تونس وموروثهم العلمي

الخطاب الديني: معادلة الحرية والرقابة

0

لا شك أن الخطاب الديني لا يختلف عن غيره من أنساق الخطاب في حاجته للحرية. فالحرية هي المؤسسة للإبداع وهي الضامنة للمسؤولية. ولا تأتي القوانين إلا لضبط الحدود بين حرية إنتاج الخطاب والمسؤولية المترتبة عنه.

ولا يمكن أن يكون القانون بتأويلاته وتطبيقاتها المختلة ذريعة لطمس حرية الخطاب الديني أو إلغاء مسؤولية أصحابه المعنوية والأخلاقية. كما لا يمكن أن تكون الأطماع السياسية لاحتواء الخطاب الديني أو احتكاره أو حتى توجيهه ضمن أجندة حزبية ما ضامنة لحرية الخطاب الديني.

فإذا اتفق تشخيصنا لداء التكفير داخل الخطاب الديني فلا ينبغي أن نواجه هذا النمط الأحادي والإقصائي من التفكير بسياسات إقصائية مثيلة تستعيض عن التكفير الديني بتكفير يدعي الحداثة أو الوسطية أو الانتساب للتقاليد والأعراف، ويتفق على تعدده في استهدافه لحرية الخطاب الديني.

لم يعد الشأن الديني حكرا على تيارات ما يعرف بالإسلام السياسي بل تتنازع فيه جميع التيارات الأيديولوجية والسياسية. المسألة الدينية تجمع بين نقيضين ملهمين للفرقاء. فهي موضوع عقيدة شعوبنا ومشاعرهم الدينية، وهي معنية كذلك بخطر التطرف الديني. لقد نجحت المسألة الدينية في تقريب مصالح الاتجاهات العلمانية واللبرالية والاشتراكية والإسلامية والعروبية وغيرها ما لم يتحقق بالفكر ولا بالسياسة.

عاد الخطاب الديني في جوهر اهتمامات الفرقاء الأيديولوجيين والسياسيين، ولكن طبيعة التركيبة النفسية والفكرية لهذه التيارات التقليدية تميل إلى الخطاب الواحد وتخشى تعدده. لذا ليس من الغريب أن تتزاحم هذه التيارات على بسط النفوذ على المؤسسات المنتجة للخطاب الديني سواء كانت جامعات أو جمعيات أو جوامع. خلط كبير يتخذ ذريعة الأمن القومي لمقاومة الإرهاب يسود تياراتنا التقليدية بين مراقبة الخطاب الديني والوصاية عليه. الخطاب الديني في أمس الحاجة للتخلص من داء النمطية التكفيرية أو التعصب المذهبي الذي قوض فيه طاقاته الإبداعية وقدرته على مواكبة المشكلات المعاصرة. وهو ما يوجب نشر ثقافة التعدد وقبول الاختلاف فيه لا دفعه نحو نمطية جديدة.

إن من العدمية القول بغياب مؤسسات العلم الديني لغياب صورتها في المشهد السياسي والإعلامي. فرجال العلم والأكاديميون في جميع التخصصات وعبر جميع الثقافات يتعففون عن الصورة الإعلامية والسياسية ولا يخوضون معاركها. فالأحرى التفكير في تحسين شروط التواصل مع مؤسسات التكوين الشرعي الديني لتجاوز الصورة النمطية السلبية عن الخطاب الديني. فواقع الخطاب الديني على خلاف الشائع متعدد تتجاذبه خلفيات معرفية وفكرية متباينة، معاصرة وتقليدية ومذهبية وتحررية. وهو يصمد أمام جميع محاولات التنميط والتهميش الداخلية والخارجية. ولن يكون الخطاب الديني فاعلا في الواقع السياسي إلا إذا تحرر من محاولات تحزبه كما لن يكون منتجا للمعاصرة إلا إذا تحرر من محاولات تنميطه الفكري.

د. محمد المستيري

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...