موقع اسلامي يهدم لنشر قيم الاعتدال والسماحة والوسطية والتعريف بعلماء تونس وموروثهم العلمي

الشريعة الاسلامية والنظم الاجتماعية

0

أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم للبشرية نظما شملت كافة النواحي التي بها قوام الحياة الاجتماعية للفرد والجماعات كما نظم العلاقة التي بين العبد وربه بما شرع من أنواع العبادات ووجه الحياة توجيها روحانيا وزمنيا في وقت واحد ووقف من الأمة موقفا لإصلاح العقيدة والعبادات والمجتمع فكان المصطلح الاجتماعي والمشرع القانوني

فرتب العبادات على أوقات معينة وشهور مخصوصة وحالات مميزة يعبد بها الله ويخص بالعبادة وحده ورتبها على صور وتشريع خاص لا يقبل سواه ولا مجال للعقل فيه بحال من الأحوال وكل من رام التبديل أو التغيير كان خارجا عن تعاليم الإسلام الذي شرعها الرسول صلى الله عليه وسلم

ونظم الأسرة فوضع لها نظاما للزواج والطلاق والميراث وأحكم الروابط التي بها قوامها في السكنى والنفقة والمعاشرة والتربية والتعليم وما إلى ذلك.

ونظم المعاملات المالية والحياة الاقتصادية بصفة عامة بما وضع من أحكام البيع والشراء والإجارة وتحريم الربا وأنواع العقود المالية والعقود الفلاحية والتجارية والصناعية.

ورتب نظام الأجير والعامل وما لهما من حقوق وما عليهما من واجبات.

ونظم الجزاء لما يحدث من مخالفات وجنايات فوضع أسس القوانين الجنائية وبيان أنواع الجرائم والعقوبات.

ورتب نظام الحرب وما يتصل بها والأحوال التي تكتنفها وأصنافها وما يتفرع عنها والأحكام التي تلزم اذا حدثت الحرب بين المسلمين أو حدثت بين المسلمين وغيرهم والأحكام التي تتخذ بعد الحرب معهم وعند السلم.

وأقام النظم العامة الدولية ووظائف للخلافة ونظام الشورى وما إلى ذلك.

وعلى الجملة واجه الرسول بالشريعة التي شرعها الله تعالى مرافق الحياة العامة والخاصة وأقام لها أصولا وأصلح ما كان عليه الناس من أحكام وأوضاع وأعراف وتعاليم ورتب المصالح ووضع لها القواعد التي تنير السبيل في الحياة.

ولما كان الاسلام بهذا المنهج العام في تنظيم المجتمع وبهذا التعرف والتوجيه في التشريع الذي سنه وخاطب به الناس وألزمهم اتباعه ليكونوا على الحالة الفضلى روعي فيه التيسير فكانت أحكامه متنوعة منها ما كانت أصولا وأسسا ومنها ما كانت فروعا حتى يمكن أن تطبق في زمان وفي كل مكان من المعمورة

فان الشؤون الاجتماعية في تغير مستمر تتغير بتغير الشعوب من البداوة الى الحضارة ومن الهمجية الى المدنية والحضارة نفسها تتغير الى رقي والى انحطاط وتتغير بتغير التفكير وسمو العقل وبما يكتشفه من أسرار هذا الكون وما يخترعه من اختراعات وتتغير بما تجد من أحداث الزمان التي تغير الأوضاع المألوفة وربما تأتي عليها أصلا فلا بد حينئذ من هذا التيسير الذي وسمت به الشريعة الاسلامية السمحة والتي نطق به القرآن في غير ما آية

من التيسير ان كانت جملة من أحكامها أصولا عامة لا فروع جزئية والا لما كانت قابلة للانطلاق على ما يجد من الأحوال الطارئة بيد أن هذه الأحوال أقيمت على أسس لا ينبغي تخطيها وقواعد لا يمكن بحال غض النظر عنها دلت عليها النوص الصريحة التي لا مجال لتأويلها وكل تأويل يعد محاولة لنقضها ويعتبر خروجا عما شرعه الاسلام فهذه القواعد والأسس لا تتغير بتغير الزمن

فأحكام الاسلام حينئذ على ثلاثة أقسام أحكام جاء بها النص صريحا على فروع خاصة كأحكام الميراث وأحكام اباحة البيع وحرمة الربا والغصب وأكل مال اليتيم بغير حق وأحكام عامة  تدخل تحت قواعد عامة كالعدل والقصاص

فهذان القسمان لا مجال للنظر فيهما والقسم الثالث هو الذي جاءت فيه الشريعة بأصول عامة وليس هناك نص يتبع وهو قسم عظيم مما يحدث للناس في حياتهم فالمجال فيه واسع للنظر واعمال الرأي الصحيح المقام على أصول الشريعة  وقواعدها العامة وقد اعتبره الرسول صلى الله عليه وسلم من التشريع وأمل هذا ما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أصحاب الصحاح والسنن لما بعث معاذ ابن جبل رضي الله عنه قاضيا الى اليمن فسأله:

بم تحكم؟

قال بكتاب الله

قال فإن لم تجد؟

قال بسنة رسول الله

قال فإن لم تجد؟

قال أجتهد برأيي

فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم

فهذا الأصل هو الذي عليه عمل المسلمين من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده فمن بعدهم من عصور الاسلام واعتمدوا في ذلك على أصول هي العلم بمقاصد الشريعة. ودقة التفكير وصحة النظر في معرفة أسرار التشريع وأصوله وقوة المدرك زيادة على الخبرة التامة بالعربية وبلاغتها وقواعدها العامة والخاصة وبذلك تمكن مواجهة المسائل الحديثة والأحداث التي تجد وتخريجها تحت أحكام الشريعة المنصوص عليها واستنباط الأحكام لها استنادا على كليات الشريعة أو الأحكام الأقرب انطباقا عليها.

وبذلك أمكن للعلماء تخريج الأحكام للجزئيات العارضة في كل العصور وانا نجد في القديم والحديث أحكاما لمسائل لا عهد للمسلمين الاولين بها ولم تكن لها أحكام منصوص عليها فاستنبط لها علماء الاسلام أحكاما وهي تدخل الآن في ضمن الأحكام الشرعية لانطباق الأصول العامة أو أحكام نظائرها عليها وقد أفردت مسائل ذات أهمية في نظام الدولة أو نظام الحرب أو نظام المعاهدات بين الدول أو نظام مالية الدولة أو نظام المواطن الذي يدين بغير دين الاسلام بالتأليف وصنفت فيها تصانيف معتبرة خرجت فيها الأحكام الاسلامية التي تنطبق عليها وبذلك أمكن للمسلمين أن يقيموا دولة الاسلام منذ العصور الأولى وسايروا تطورات العصور وحكموا في الأبيض والأصفر والأسود بتعاليم الاسلام إلى أن اصطدموا بالأوضاع الأوروبية الحديثة فقامت المشكلة الكبرى أمام العالم الاسلامي فلم يدر كيف يحدد موقفه أمامها واضطربت الآراء واختلفت النزعات في كل شعب من شعوب الاسلام في الباكستان وفي ايران وفي تركيا وفي العراق وفي الشام وفي لبنان وفي مصر وفي تونس الخ ما هنالك.

فقام كل قطر مذهبان مختلفان أحدهما يرى حصر الدين في العلاقة التي بين العبد وربه وبعبارة أخرى حصره في العبادات ويمكن أن يلحق بذلك الأحوال الشخصية عند البعض من أهل هذا المذهب وأما ما سوى ذلك من أحوال الدولة ونظام الحكم والقوانين فهذا الباب يقتبس من أروبا وينقل ما عندها ويطبق على البلاد الاسلامية وعلى هذا الأساس يفصل بين الدين والدولة كما فصلت أروبا بينهما ويكون المشروعون علماء تعلموا في أوروبا علم الحقوق وجردوا العقل من القيود التي تقيده فيحكمون العقل ويشرعون ويقتبسون ويحاذون النظم العصرية والأعراف والأوضاع من غير التفات إلى التشريع الاسلامي ومقاصد الشريعة ومراميها وبدلا من ذلك تراعي مقاصد المدينة الحديثة ومراميها واتجاهاتها وعلى هذه الأسس تؤسس القومية الوطنية كما أسستها أروبا.

والمذهب الثاني يرى أن التشريع الاسلامي عنصر صالح يحمل بين ثناياه المرونة الكافية فشريعة الاسلام صالحة لهذا العصر كما كانت صالحة في العصور الاولى وما طرأ من انحلال لا تتحمله الشريعة وأحكامها يل هو من جراء عدم تطبيقها والخروج على بعض أحكامها فحصل ما حصل

وأساس تعاليم الاسلامية عدم التفرقة بين الدين والدولة وقيام المدنية الغربية الحديثة على فصل الدين عن الدولة وقد ساعد أهل أروبا على ذلك أن غالبهم يدين بالمسيحية وهي عندهم دين لم يتعرض لشؤون الدنيا ويهذا الاعتبار فصلوا شؤون الدولة عن الكنيسة وأقاموا دائرة أخرى للدولة وشؤونها.

ان هذا النظام قد بان فساده للعيان بما حصل من تناحر وحروب وفساد في الأخلاق وانحلال الروابط التي عليها مدار السعادة المنشودة والكمال الانساني.

والرأي الاسد أن لا نندمج في المجتمع الأوروبي وأن لا ندعو الى وطنية ضيقة وقوميات محددة وانما الى عالم اسلامي حر يطمح في تعميم مبادئ الاسلام الصحيحة لكل الانسانية المنحرفة واقامة اصلاحات نافعة على أساس نظريات الاسلام ومبادئه الفضلى والرجوع بالمسلمين حكومات وافراد الى أحكامه وتشريعاته واستخدام العقل ومواهبه ليكتشف ويخترع ويعمل في الدوائر الفسيحة من غير مصادمة مع الدين والاسلام أوسع وأرحم من أن يقف في سبيل التقدم أو يسد على العقل ما حثه على ولوجه والتدبير فيه واستغلاله على أوسع نطاق ولم يكن الاسلام في عصر من العصور مناهضا للرقي الفكري والحضارة المدنية وانما المسلمون أقعدهم الجهل والبخل وفهم سنن الكون على غير وجهها أحيانا فضعفوا واستكانوا وحل بهم ما حل بأمثالهم.

هكذا يتناطح أهل المذهبين وأضحى كل فريق متمسكا بنظرياته ويسفه أحلام الآخر ويخطيه وبات المسلمون حيارى بين النزعتين ومتشككين بأي الدعوتين يأخذون والدعوة الاولى أخذت بها تركيا وكانت هي أول من أخذ بهذه النظرية على الوجه الأتم وسلكت مسلكا عجيبا كادت تخرج به الأمة عن حضيرة الاسلام بعد أن خرجت الدولة وأصبح التركي بعد مضي نيف وثلاثين سنة على الانقلاب اللائكي مسلما جغرافيا بالمعنى الصحيح لذا أخذ قادة الرأي في العالم الاسلامي اليوم يعيدون النظر في هذا المذهب اليوم لما رأوا من العواقب الوخيمة التي أصبح عليها الشعب التركي والدعوة إلى تأسيس المؤتمر الاسلامي أهم الدوافع اليها هو انقاذ العالم الاسلامي من الحيرة التي لابسته نصف قرن على الأقل ورسم خطة عملية يتحتم السير على مقتضاها وتنظيم الاصلاح الاجتماعي والاقتصادي والسياسي على أسس ثابتة يقرها العقل السليم ولا يناهضها الدين واعتبر مبدا أصليا من المبادئ التي يقوم عليها الاصلاح تجنب الارتجال مهما كان نوعه في أي ميدان فان الارتجال سير على غير هدى وبناء غير مركز على أصل قار ثابت

وأنا على يقين أن الخطط الرئيسية التي يبني عليها البحث اعتماد المذهب الثاني وانما النظر في الكيفيات التي يكيف بها ومدى الصلوحيات التي تجاري مقتضيات العصر ولكن هل يترك دهاقنة السياسة العالم الاسلامي يقيم مجتمعهم الفاضل

محمد الشاذلي بن القاضي

المجلة الزيتونية

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...
%d مدونون معجبون بهذه: