موقع اسلامي يهدم لنشر قيم الاعتدال والسماحة والوسطية والتعريف بعلماء تونس وموروثهم العلمي

الشيخ العلامة محمد الشاذلي النيفر رحمه الله

0

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
أوراق من حياة الشيخ محمد الشاذلي النيفر

العالم الجليل المحقق الفقيه الباحث المؤرخ الأديب الشاعر المتفنن في جملة من العلوم العقلية والنقلية الشيـخ محمـد الشـاذلي ابن العلامة قاضي الجماعة بتونس الشيخ محمد الصادق النيفر الحسيني، فأسرته تنتسب إلى سيدنا الحسين بن علي رضي الله عنه كما قال أحمد بن أبي الضياف في كتابه «إتحاف أهل الزمان».

نزحت أسرة آل النيفر من الأندلس مع الجالية التي ألجأها الأسبان إلى الهجرة سنة 1016هـ/ 1710م واستقروا بها إلى اليوم.

ولد الشيخ ـ رحمه الله ـ سنة 1911م بمدينة تونس في بيت علم وفضل وشرف، ونشأ في رعاية والده أحد أعلام الزيتونيين، فأحسن تربيته على القيم الإسلامية الرفعية والآداب العالية. ففي بيت والده تعلم مبادئ العلوم الشرعية واللغة العربية، ثم التحق بالمدرسة القرآنية، وفي عام 1924م التحق بجامع الزيتونة لمواصلة دراسته الثانوية متدرجاً في مراحلها بنجاح مميز حتى أحرز شهادة ختم الدروس الثانوية سنة 1930م، وهي شهادة تؤهل صاحبها للتدريس بجامع الزيتونة بصفة متطوع، ولذلك تسمى شهادة التطويع.

وفي سنة 1934م باشر الشيخ ـ رحمه الله ـ التدريس بجامع الزيتونة والمعاهد التابعة له ولم يزل كذلك حتى سنة 1990م حين أقعده المرض.

وفي سنة 1936م شارك في تأسيس جمعية الزيتونيين التي أنشئت لإعداد النشرات، وتنظيم المحاضرات والاحتفالات في المناسبات الدينية، وقد تولى الشيخ ـ رحمه الله ـ خطة الكاتب العام لهذه الجمعية.

وفي سنة 1937م أسهم في تأسيس الشبيبة الزيتونية التي ترمي إلى توحيد كلمة أبناء الجامع الأعظم.

وفي سنة (1365هـ/1946م) أكرمه الله تعالى بالحج إلى بيت الله الحرام، وكانت فرصة للقاء عدد من علماء المسلمين جمعهم هذا الموسم العظيم، وفي هذه المناسبة فكر الشيخ ـ رحمه الله ـ في دعوة الحكومة السعودية إلى حمل الجامعة العربية على الاشتغال بقضية الشمال الأفريقي عن طريق الشيخ حسن البنا ـ رحمه الله ـ فزاره زيارة خاصة وحادثه في ذلك الشأن فقال الشيخ حسن: إن الملك عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ عين لي غداً موعداً للقائه، قال الشيخ محمد الشاذلي: فرجوته أن يُبلغ ما رغبت من حمل الحكومة السعودية للجامعة العربية على النظر في قضية الشمال الأفريقي بجدية، فواعدني بذلك، وعين لي أن آتي إليه ليخبرني بنتيجة لقائه، فأتيته من الغد فأجابني بقبول الرغبة من الملك عبدالعزيز ـ رحمه الله.

وفي سنة 1953م أسس الشيخ ـ رحمه الله ـ جريدة الزيتونة الأسبوعية واختص بتحرير افتتاحيتها ليكتب عن هموم الأمة والمطالبة بإصلاح الزيتونة والذب عنها مما عرضها للإيقاف عن الصدور مرتين، وفي الثالثة أوقفت نهائياً، وذلك في سنة 1957م.

كان الشيخ ـ رحمه الله ـ طوال حياته مناضلاً شجاعاً يدفعه إيمانه بما يعتقد أن يقف مواقف الرجال في أحلك الفترات، كيف وهو القائل:

أيا علماء الدين إن أمامكم

من السعي مالا ينقضي بتعدد

فلا تجعلوا سير الزمان بغيركم

وكونوا لأحداث الزمان بمرصد

فكانت له مشاركات في الأحداث التاريخية التي وقعت أثناء فترة الاستعمار، فكان فاعلاً للأحداث صانعاً لها غير منفعل بها، ولذلك لم يكن مستغرباً أن يناله الابتلاء، وذلك حين تولى إدارة المدارس الزيتونية لسكنى الطلبة فاستاءت منه السلطة الاستعمارية، فتعرض بيته للتفتيش، وألقي القبض عليه ثم وضع رهن الإقامة الجبرية، ولسان حاله قوله من قصيدة قالها في حفل أقامته جمعية الزيتونيين لتذكريهم بواجبهم في الالتزام بالمبادئ الإسلامية والانخراط في الحياة التونسية في 16/4/1945م.

ركدنا طويلاً فَلْتُرَ اليوم هَبَّة

ونهضة صدق قد أنطيت بفرقدِ

نروم حياة لا تتاح لقاعد

ونرغب عصر العلم عصر التزوُّدِ

إلى العيش عيش العزِّ سيروا بعزمةٍ

فلسنا بأذناب ولسنا بأعبدِ

وبعد الاستقلال شارك الشيخ ـ رحمه الله ـ في الحياة السياسية حيث انتخب سنة 1959م نائباً بمجلس الأمة الأول وترأس الجلسات الافتتاحية لمجلس النواب في عدة دورات. وكان محل إكبار الجميع لمواقفه الثابتة وشجاعته.

غير أن كفاح الشيخ ـ رحمه الله ـ لم يشغله عن مهامه الدعوية والإرشادية والتعليمية، فقد تولى الإمامة والخطابة بجامع باب الأقواس بتونس منذ سنة 1946م وظل داعياً إلى الله مرشداً وموجهاً، آمراً وناهياً، وكان لخطبه الأثر الكبير في نفوس المصلين، فلم يترك الخطابة بهذا الجامع حتى أيامه الأخيرة رحمه الله.

وفي سنة 1977م انتخب عميداً للكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين، فأظهر براعة فائقة في حسن الإدارة وعمل دؤوب، فاجتمعت القلوب عليه فأيد انتخابه مرة أخرى.

وكان نشاطه ـ رحمه الله ـ موزعاً بين العمل الإداري والتدريس وإلقاء المحاضرات داخل الكلية وخارجها في المناسبات المتنوعة.

وقد تسلم عمادة الكلية، وبها أربعمائة طالب فقط، فارتفع العدد خلال فترة يسيرة إلى ألف ومائتي طالب وطالبة، أغلبهم من تونس وفيهم طلاب من مختلف البلاد الإسلامية.

وقد تولى الشيخ ـ رحمه الله ـ تجديد البرامج التعليمية، بحيث أصبحت تتناسب مع المستوى العلمي للطلبة الحاصلين على شهادة الثانوية بعد أن انقرضت طبقة الشباب الزيتوني.

ثم إن الشيخ ـ رحمه الله ـ وسع دائرة التعليم في الكلية وأنشأ أقساماً جديدة أثرى بها الكلية. ولم تكن الكلية يومها تسير وفق قانون رسمي ينظم الدراسة بها، فبادر إلى وضعه هذا القانون، واستصدر أمراً ينص على اعتبار الكلية الزيتونية مؤسسة جامعية، تعنى بالدراسات والبحوث الإسلامية.

وكان ـ رحمه الله ـ على صلة قوية بمختلف أقطار العالم الإسلامي حيث يحرص على المشاركة في الملتقيات الإسلامية تشهد له بذلك أبحاثه القيمة ومداخلاته المتميزة، وكان محل إكبار وتقدير وإجلال من الجميع، فهو عضو المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامية ومجمع الفقه التابع لها، وقد شارك في أغلب ندواتها، يدفعه لذلك علو همته كما قال:

لقد ضاق هذا الكون عن حمل همتي

فحملتها شعراً وأحرى بها الشعرُ

ترتلها الأجيال بعدي ترتلا

يشيد بها شاد ويسرى بها سيرُ

أما جهوده العلمية فتتمثل في المصنفات التي نافت على العشرين بين تأليف وتحقيق.

وللشيخ ـ رحمه الله ـ ولع شديد بجمع نوادر الكتب، من مخطوط، ومطبوع حتى بلغ ما لديه اثنى عشر ألف كتاب مطبوع وثمانمائة مخطوط.

الشيخ العلامة محمد الشاذلي النيفر رحمه الله

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...