موقع اسلامي يهدم لنشر قيم الاعتدال والسماحة والوسطية والتعريف بعلماء تونس وموروثهم العلمي

الصراع على الزيتونة

0

الصراع على الزيتونة

لقد مثل الصراع على الزيتونة، باعتبارها مؤسسة إسلامية علمية، سمة بارزة في تاريخ بلادنا المعاصر لما تحتله من مكانة في حياتنا الاجتماعية، وتجلى هذا التجاذب بين قوى سياسية مختلفة من قبيل الاستقلال وبعده حين تآمرت أطراف منها ليبرالية يمثلها أساسا المشروع البورقيبي، وقومية يمثلها أساسا المشروع اليوسفي لإقصاء الزيتونة أو تهميش دورها حتى لا يكون لها أي أثر حضاري في الأمة وتأسيس المشروع التغريبي .

وليس عجيبا أن نجد هذه الأطراف متحالفة على هذا الاستبعاد ، فلما تهيأت هذه الأطراف لخلافة المحتل، كان لا بد من انتقاء الأطوع لتحقيق المشروع التغريبي، ولذلك رأى المحتل في التوجه الليبرالي لبورقيبة خير بديل له يستأمنه على هذه التركة الاستعمارية، فتحالف معه على ضرب التيارات النقابية التي يمثلها فرحات حشاد ثم بعد ذلك على ضرب التيارات القومية التي يمثلها صالح بن يوسف، ولا شك ان التوجه النقابي والتوجه القومي كلاهما متلون بالمسحة الاشتراكية التي تترجمها الهيمنة الماركسية على العالم الشرقي وكلاهما ليسا من قناعات المدرسة الغربية الرأسمالية، فإن الصراع انذاك في مطلع الخمسينات على أشده بين الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين وبين الإتحاد السوفياتي ذي التوجه الاشتراكي، فكان من المنطقي أن تحالف فرنسا من يمثل مشروعها ولا تجد من هو أولى من بورقيبة لتنفيذ ذلك فكان من أولوياته أن يجعل مؤسسة الزيتونة أثرا بعد عين، مشروع تغريبي سار عليه أتباعه في فترة حكمه ثم واصله خلفه.

أما الجانب الآخر للصراع على الزيتونة فيمثله منتسبو الزيتونة وأنصارها والمتخرجون منها، ولم يكونوا منذ البداية على سبيل واحدة وتدافعهم أمران:

الأول: غياب الرؤية السياسية لما يمارسه خصومهم .

والثاني:تقاذف الأهواء بهم لطموحهم في تحصيل المناصب العلية في الدولة

وأفرز هذان المنزعان تشتت القوى الحاملة للمشروع الإسلامي فمنهم من ناصر التوجه الليبرالي البورقيبي ومنهم من ناصر التوجه القومي لصالح بن يوسف واضطهد لأجل هذه المناصرة ومنهم شباب آفاقي حمل مشروعا متفردا تمثل في صوت الطالب الزيتوني ، كان هو نفسه غير سالم من طغيان النزعة السياسية في خطابه، ويُحْسَب له أنه لم يكن مواليا لأحد المشروعين المغتربين، في ظل هذا التهرؤ للقوى الزيتونية ذات المسحة الإسلامية، كان صوت الطالب الزيتوني أقرب هذه الفئات جميعا إلى المشروع الإسلامي، فقد كان مشروع خير، اختزن المد الإسلامي الذي ظهر بعد ذلك وتَطعَّمَ بالمد الإصلاحي الذي مثله نخبة من علماء الزيتونة ومشايخها وكذلك بالرؤية التنويرية لبعض علماء الأزهر وتوجيه من الحركة الإخوانية التي أسسها الإمام حسن البنا.

هذا المشروع الإسلامي حمله بعد الاستقلال المخلصون من علماء الزيتونة وأساتذتها، ممن لم يكونوا في المناصب الحزبية والسياسية للدولة البورقيبية ، وان كانت لهم وظائف في هذه الدولة، عضّوا عليه بالنواجذ، ينشرونه في الأمة ما أمكنهم السبيل إلى ذلك، وأثمر ذلك أن بقيت شمعة مضيئة للناس تحلقوا حولها، ليس لهم غيرها يتعاهدونها حتى لا تنطفئ هي “الكلية الزيتونية” ولم يكن للمشروع التغريبي البورقيبي أن يحقق أغراضه كاملة، فبقيت جذوة الدين كامنة في الأمة، حتى هيأ الله انبعاثها من جديد .

وكان من أثر الحملة الشرسة التي شنت على الزيتونيين وثقافتهم وفكرهم الديني وما لاقوه من ضروب التنكيل والإقصاء أن تعاطفت قلوبهم، جمعهم الله على الدين بسبب تنكيل عدوهم الذي أَزْهَدَهم في دنياهم وأرْغَبَهم في آخرتهم وهكذا يكون دائما التدافع المبدئي ، يدافع المهتدي عن دينه ويدافع الضال عن هواه، وكان من رحمة الله بهم أنهم ما كانوا ليجتمعوا على صعيد واحد لولا إقصاؤهم فلما هبت رياح النصرة على العالم الإسلامي ومَنّ الله على المستضعفين أن يكونوا أيمة وأن يجعلهم الوارثين [أي أن يكونوا أحرارا وأن يكونوا مؤهلين للتصرف بعد أن كانوا محجورا عليهم] وقع ما هو سنة لله في خلقه تنافسوا على ما يفرقهم، تنافسوا على الدنيا بمشروع التدين كما تنافس عليها غيرهم بمشروع الحداثة، ونجد من جديد ” مؤسسة الزيتونة” محل التدافع وموطن المآرب وواجهة المطامع ولما كان هذا التنافس في ظاهره فقط بجلباب الإخلاص، آل بهم الأمر إلى التدابر كأن نفع الزيتونة لا يكون إلا بإقصاء بعضهم بعضا وتشنيع بعضهم على بعض.

فقال بعض القدماء منهم مشروع الأمة هو الجامع الأعظم نحيي معلمه ونبعث فروعه ونقيم برامجه ونلتزم شهاداته، والكلية الزيتونية لا تمثله وليست وارثة له وليس لأحد من رجال الدولة كائنا من كان أن يسير الجامع فهو مؤسسة مستقلة لا تخضع لأحد إلا لهيئة الجامع العلمية وإمامها الأوحد وحسمت هذه الجماعة أمرها واختارت إمامها واعتبرت كل من خالفها قد خالف مشروع الأمة.

وقال المتأخرون من خريجي الكلية الزيتونية، والجامعة الزيتونية، المشروع يحمله أساتذة الزيتونة، فإنهم على امتداد خمسين سنة، أي منذ انبعاث الكلية الزيتونية وهم قائمون بالمشروع الإسلامي يَرْعَوْنه ويتعهدون نباته ويواصلون نهجه وطائفة ثالثة تعددت منابعهم واختلفت مشاربهم ليس لهم اتصال بمؤسسة “الزيتونة” فلا هم من شيوخ “جامعها” ولا هم من أساتذة “جامعتها” جمعتهم الدعوة إلى استقلال المساجد، وانفصالها عن سلطة الدولة شملهم المشروع الإسلامي الواسع من أنصار حزب التحرير ومن حاملي المشروع الوهابي ومن متبني الحركة الجهادية ، هؤلاء حسموا ولاءهم مع من نادى بفصل جامع الزيتونة عن سياسة الدولة وعن مؤسساتها الجامعية والتربوية، بل بفصل الجامع عن وزارة الشؤون الدينية وعن رئاسة الحكومة ورئاسة الدولة ليكون إمام الجامع الأعظم، الإمام الذي لا يلزمه شيء ولا يحتكم لأحد حتى ولو كانت مؤسسات الدولة نفسها.

وإنما ساندته هذه الأطراف الإسلامية الثلاثة التي كنت بصدد ذكرها، لأنها هي نفسها أصبحت تؤمن باستقلال المساجد والجوامع التي تنتصب فيها وتؤمن بالخروج عن سنن النظام، كما خرج إمام جامع الزيتونة، وأن يفعلوا ما بدا لهم، حتى ولو كان ذلك أن يسقطوا نظاما تعليميا واقعا ويؤسسوا نظاما آخر أصبح من التاريخ .

إن كثيرا من الفئات والجماعات الإسلامية بعد تراجع المشروع العلماني التغريبي أصبح من أهدافها الخروج عن الرؤية الدينية التي طبعت بلادنا منذ الفتح الإسلامي ولعل من أهم قناعات هذه الجماعات، أن المنهج المالكي في الفقه ،الأشعري في العقيدة  منهج ضال لا يترجم للإسلام الصحيح الذي ينشدونه .

ولذلك ليس عجيبا أن تراهم ينتقصون من أعلام المغرب المالكيين الذين مثلوا تاريخ جامع الزيتونة، وتاريخ جامع القيروان ولم يكن جامع الزيتونة الذي يتظاهرون بالدفاع عنه يمثل معلما لهم، ولا كان شيوخه ، أعلاما بالنسبة إليهم ولا كان مالك – رضي الله عنه- قدوة لهم في العلم والفقه، ولا أدل على ذلك في صلواتهم وهيئاتهم ومناسكهم واختياراتهم الفقهية فإنهم لم يتعلقوا بشيء من كلام إمام دار الهجرة وفقهه.

إن إمام الجامع الأعظم بما يطلقه من دعوات وتنطعات في وسائل الإعلام، يفتح باب الفتنة في دعوته للخروج عن السلطة المركزية والتي من مهامها الإشراف على المساجد ودور العبادة وتعيين الأيمة ومراقبة الخطباء والوعاظ حتى لا يخرج الخطاب الدعوي عن النظام العام الذي يلتزم به جميع مؤسسات الدولة.

إن الذي يريد أن يؤسسه إمام جامع الزيتونة [ ولا أدري كيف يصبح إماما لو لم تعينه الدولة] هو شق نسيج الجماعة، بحيث من أراد أن ينفصل بمسجد أو جامع، انفصل يخطب ويبث ما يريد، بل إننا أصبحنا نرى كثيرا من المؤسسات الإعلامية والثقافية وغيرها نسجت على منواله، تنادي بحكم ذاتي وبمشروع مؤسساتي خاص بها، من دون التزام بالتنظيمات العامة التي سلّمَت بها الأمة وأقرتها الشرائع والقوانين.

ولا أقول هذا دفاعا عن أي سلطة سياسية حاكمة وإنما أتكلم عن مبدأ شرعي في هذا الموضوع، وليس اعتباطا أن نجد بلدنا قد نأى بنفسه في الماضي عن التجاذبات الكلامية والصراعات المذهبية التي طبعت العالم الإسلامي بالمشرق فلقد مثلت إفريقية بفضل أعلامها الأوائل كسحنون ومن جاء بعده وحدة إسلامية في الفقه والعقيدة والسنة، وذلك بتنظيم العلم الشرعي في المساجد والمؤسسات التعليمية مما نجني ثماره حتى اليوم، هذا الموقف الذي نتمتع ببرده وسلامه ويشقى غيرنا بحَرّه وحربه .ولَأَنْ تكون المساجد في ظل حكم شمولي متوحّد، خَيْرٌ من أن يكون الناس فوضى لا سراة لهم يتكلم كل واحد حسب هواه، وليس أخطر على الأمة من أن يصبح أمرها كتفاريق العصا لا هداة لهم، وأعجب من هذا كله انتصاب القضاء لإعطاء الحق لمن يريد الخروج على مؤسسات الدولة، وما هذه القضية المرفوعة إلى جناب القضاء المتعلقة بجامع الزيتونة الذي أصبح معمورا بالمتخالفين، إلا من باب إشعال النار في الهشيم وما فعله القضاء من دعوى إنصاف حسين العبيدي شيخ الجامع الأعظم ولا أراه يرضى بلقب “الشيخ” فالرجل طامح إلى لقب “الإمام” ما فعله القضاء ليس من باب النزاهة والعدل، وإنما هو من باب إرباك الدولة وتحميش الخارجين عليها والزيادة في اضطراب أمرها، الدولة التي من أوكد مهامها تثبيت الخطاب الإسلامي .

إن مسألة إمامة الجامع وتسييره ليست من اختصاص القضاء وإنما هي مسألة سياسية علمية تتعلق بممارسة السلطة التنفيذية لصلاحياتها ولم تكن المساجد في تاريخ الإسلام كله –خلافة و إمارة- خارجة عن صلاحيات الدولة بل إن القول بالخروج والاستقلال والانفصال هي دعوة كنسية على مثال دولة الفاتيكان وليس أشوم على الأمة من أن تقتدي باليهود والنصارى في أخص خاصيات ممارساتهم التعبدية.

إن المنشود الذي يجب أن يكون شعار كل مسلم هو المحافظة على مؤسساتنا الإسلامية التي في مقدمتها جامع الزيتونة ” ووريثته ” الجامعة الزيتونية ” لأن ذلك سبيل المحافظة على الدين من دون تنكر لسلف هذه الأمة ولا معاداة لفكرهم ولا تنكب عن صراطهم لأنهم كانوا على فضل وتقوى وعلم، أسسوا مدرسة مالكية مغربية أصولها مدنية ، مدرسة جعلت أساسها النص وفرعها الاجتهاد وضالتها الحكمة ومقصدها المصلحة ونهجها المرونة فلنجعل هذا الخلاف القائم بيننا منطلقا لجمع الكلمة ورأب الصف ولننظر في أمورنا فإنه لا شيء عَصيّ عن الحل والإصلاح إذا كانت النفوس خالصة لله تعالى وتجردت من نوازع الاستعلاء والرياء والطمع الأرعن في نيل المناصب وشهوة البروز والله سبحانه وتعالى يقول “إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما” النساء 35 ،ويقول أيضا “لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة او معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما” النساء -114-.

فأخلصوا أيها الساعون عملكم واعلموا أنكم مجازون بقدر نياتكم “فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ” الزلزلة 7-8

 والله الموفق إلى سواء السبيل.

تونس – الضمير – د.هشام قريسة

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...
%d مدونون معجبون بهذه: