موقع اسلامي يهدم لنشر قيم الاعتدال والسماحة والوسطية والتعريف بعلماء تونس وموروثهم العلمي

الصيرفة الإسلامية والفرحة التي لم تتمّ

0

بسم الله الرحمان الرحيم

الصيرفة الإسلامية والفرحة التي لم تتمّ

رغم أنّ واقع المالية الإسلامية وتطبيقاتها في المصارف يجد في تونس وفي غير تونس بعض المؤاخذات والانتقادات الشديدة من حيث عدم الالتزام الدقيق بأحكام الشريعة الإسلامية في هذا المجال، حتّى وصل في كثير من الأحيان إلى أن تكون العقود ـ وخاصّة عقد المرابحة ـ صورية يتذرّع بها إلى الرّبا، إلاّ أنّ قانون البنوك الذي عرض أخيرا على مجلس النّواب بعث الأمل في أن تبنى منظومة المالية الإسلامية وتطبيقاتها بتونس على أسس شرعية صحيحة، تتجاوز النقائص والإخلالات التي وقع فيها من صاغ معايير الصيرفة الإسلامية بتساهل إلى حدّ التطبيع مع المعاملات المصرفية الربوية، مخالفين بذلك قرارات مجمع الفقه الإسلامي وأحكام المعاملات المالية. وكان المنتظر أن تتأسّس منظومة المالية الإسلامية بتونس بجهود تونسية تنتظم في هيئة وطنية مستقلّة عن البنوك تكون مرجعا علميا شرعيا في هذا الشأن، وتعنى بالاجتهاد الفقهي الخاصّ بالصيرفة الإسلامية وتكوين هيئات الرقابة الشرعية الداخلية، وهو ما تضمّنه قانون ديوان الإفتاء الّذي أعدّته لجنة وطنية شكّلت في الغرض سنة 2014 متركّبة من مفتي الجمهورية، وممثلين عن رئاسة الجمهورية، ورئاسة الحكومة، ووزارة الشؤون الدينية، ووزارة العدل، ووزارة الداخلية، وسلّمته لكلّ من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، ولكنّ يبدو أنّ مبدأ عدم تواصل الدولة هو الأصل عندنا بتونس وقد فعل فعله في هذا القانون.

     وعلى كلّ فإنّ في قانون المالية في صيغته الأولى بعض الإيجابيات، كإلزام كلّ بنك يمارس الصيرفة الإسلامية بتشكيل هيئة خاصّة مستقلّة عن هياكل الإدارة تعيّنها الهيئة العمومية وتعنى بمراقبة تطبيق معايير الصيرفة الإسلامية ـ التي قلنا إنّ عليها مؤاخذات من طرف كثير من أهل العلم الشرعي ـ، وإعطاء هذه الهيئة صلاحية الرقابة والاطّلاع على الوثائق وأن تكون قراراتها إلزامية، وأن يكون أعضاؤها من أهل الكفاءة والخبرة في فقه المعاملات الإسلامية. فكان الأمل بهذه الصيغة أن تتحقّق الضمانات الدنيا لالتزام المؤسسات البنكية في مزاولة الصيرفة الإسلامية بالتعامل وفق أحكام الشريعة الإسلامية، دون مغالطات أو تلاعب.

    لكنّها فرحة لم تتمّ، فسرعان ما تراجعت الجهة التي قدّمت القانون، وتنازلت عن صيغته الأولى تحت ضغط جهات أخرى تأبى أن يتعامل المواطن التونسي في معاملاته المصرفية بطمأنينة نفس وفقا لأحكام معتقده، دون حذر أو إكراه يصحبه توبيخ الضمير. فقد جعل قانون البنوك في صيغته الثانية تشكيل هيئة المراقبة اختياريا وغير إلزامي، ونزعوا عنها الاستقلالية القانونية والمعنوية، لتعمل تحت إشراف مجلس إدارة البنك، أي أعوان تنفيذ، والأخطر من كلّ ذلك أنّ أعضاءها لا يشترط أن يكونوا من ذوي الكفاءة العلمية في المعاملات الإسلامية، وأنّ قراراتها غير ملزمة للبنك.

    بمعنى آخر أنّه تمّ إفراغ قانون المالية من مضمونه الشرعي، وتحويل الهيئة إلى هيئة شكلية، لا تقدّم ولا تؤخّر، وقرارها رهين موافقة الإداريين بالبنك. فما هو الضّامن الذي يجعل المواطن يطمئنّ إلى التزام البنوك التي تبنّت العمل بالصيرفة الإسلامية أنّ نشاطها موافق لأحكام الشرع في هذا المجال بكلّ دقّة.

    فهل سنشهد في تونس مسرحية في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في المعاملات البنكية، تغري النّاس بالعنوان، وتورّطهم في معاملات شرعية وهمية، إذا علمنا أنّ تطبيق المصرفية الإسلامية سيعهد في البنوك التقليدية ـ أي الربوية ـ إلى موظّفين لا علم لهم بأحكام الشريعة في المعاملات المالية.

    أقول: لقد آن الأوان أن ينكبّ أئمّة الخطابة وسائر المهتمّين بالتوعية الدينية بهذا الباب من أبواب الفقه الإسلامي، حتّى يكونوا على دراية تامّة بأحكامه، فينقلوها بكلّ أمانة إلى عامّة النّاس الذين يتطلّعون إلى معاملات لا شبهة فيها مع البنوك التي بالمصرفية الإسلامية.           

 

الشيخ الحبيب بن طاهر

 

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...
%d مدونون معجبون بهذه: