موقع اسلامي يهدم لنشر قيم الاعتدال والسماحة والوسطية والتعريف بعلماء تونس وموروثهم العلمي

المقصد العظيم من الهجرة

0

المقصد العظيم من الهجرة

إن في كل شأن من شئون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاصها وعامها دلائل على أنه بمحلِّ العناية من ربِّه تعالى تحقق معنى قوله تعالى: (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا)(سورة الطور: من الآية 48)، أي بمحل العناية منا إذ حقيقة العين يستحيل إثباتها لله تعالى، فتعين بحكم استعمال اللغة أن تكون العين في الآية مرادًا منها لازم لازم حقيقتها وهو الاعتناء اللازم لمعنى المشايعة والمشايعة من لوازم النظر المراد من العين كما قال النابغة يخاطب النعمان بن المنذر:
رأيتك ترعاني بعين بصيرة // وتبعث حراسًا عليَّ وناظرًا

ومن أعظم الشئون التي عرضت للرسول عليه السلام في رسالته خروجه من وطنه في ذات الله تعالى، وكان في ذلك الشأن من المقاصد الإلهية العظيمة ما لا يحيط به غير علام الغيوب، فلا جرم أن نعد منها ما بلغ إليه العلم والهمَّة والفهم في هذا الوقت القصير، وعسى أن يكون في قليله تنبيه كثير، يفتح فهم الناقد البصير.

الهجرة شنشنة من أحوال الرسل، فقد هاجر إبراهيم ولوط وهود وصالح وموسى ويونس، ولكل وجهة على هيئة تلك الشنشنة هي التي أنبأت ورقة بن نوفل بأن محمدًا عليه الصلاة والسلام سيسلك به ربُّه مسلك رسله (سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا).
كان ورقة بن نوفل القرشي المتنصِّر في الجاهلية قد توَّسم من بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يخرج أو يخرج من وطنه، ففي صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لْمَّا ذهب إليه بإشارة خديجة رضي الله عنها وقصَّ عليه رؤية الملك ونزول الوحي عليه في غار حراء قال له ورقة: “هذا هو الناموس الذي أنزل على موسى، يا ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك”، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “أَوَمُخْرِجِيَّ هم”، قال ورقة: “نعم، لم يأت أحدٌ بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزراً”.

كان خروج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مكة نبذًا منه لأهل الشرك وسخطًا عليهم وتنزيهًا للدين عن البقاء بين أظهرهم وإعلانًا لسائر الناس بأن أمر هذا الدين ليس بالأمر الهيِّن، فإن الدعوة بالفعل مع القول أشدُّ نفوذًا إلى النفوس من مجرد القول، بحيث صارت الدعوة الاسلامية حادثًا مشاهدًا ومُتَحَدَّثًا به بعد أن كانت مسموعة لا غير.

ولذلك سمي هذا الخروج هجرة مشتقة من الهجر وهو قطع المعاشرة، ولقد كانت بإذن الله له بذلك حين تهيأت الأسباب التي أرادها الله تعالى، كما أنبأ به حديث الهجرة في الصحيح أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لأبي بكر: “إن الله أذن لي في الهجرة”، ولم يكن ذلك الخروج فرارًا وخشية من المشركين؛ لأن الله الذي عصمه منهم ثلاث عشرة سنة وهم يؤذونه بالقول ولا يقدمون على إلحاق الضرر به قادرًا على إكمال عصمته منهم، وخاصة بعد أن كثُر أتباعه واعتزوا بأقويائهم مثل عمر بن الخطاب وحمزة بن عبد المطلب.

وقد علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه إذا خرج من بين قومه يعدون خروجه غلبة معنوية عليهم فيحاولون منعه، فلذلك رأى أمره أعون على مراد الله من خروجه، ورأى الاختفاء بعد الخروج ثلاث ليال بغار ثور أقطع لطماعة المشركين في اللحاق به وأعجز لهم في طلبه، ولذلك كان يسير الليل ويستريح النهار، وتلك أيضا عادة العرب في سيرها في وقت الحرِّ، وقد كانت الهجرة في زمن الحر.

الهجرة مفارقة الوطن على نية عدم الرجوع إليه، وأسبابها تارة تكون للطمع في نفع يحصل للمهاجر في الموطن الذي ينتقل إليه، وتارة من كراهية الإقامة في الوطن لعداء بين المهاجر وقومه أو لأذىً لحقه منهم، وتارة لنشر دعوة أو إظهار فضيلة أو استنصار على عدو أو غير ذلك، فهي أخصُّ من السفر ومن التغرب؛ لأن في السفر والتغرب أمل العود إلى الوطن.

وأياً ما كانت غايتها ومنفعتها فإنها شديدة المضاضة على النفس؛ لأن في مفارقة الوطن مفارقة لأعلق البقاع بالقلب مما شبَّ فيه المرء وألفه، ومفارقة قرابته وجيرانه وأحبته وقد قال أبو الطيب وأجاد:
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت // لهي المنايا إلى أرواحنا سبلا
وسماها القرآن فتنة في قوله تعالى: (والفتنةُ أشدُّ من القتلِ)(سورة البقرة: من الآية 191)، قال المفسرون: أراد إخراج المؤمنين من بلادهم مكة، ثم إن أسمى غاية يفارق المرء لأجلها وطنه وأقوى سبب يحدث عنه الشقاق بين المرء وذويه هو الذبُّ عن الاعتقاد إذا بلغ عناد المخالفين فيه إلى حدِّ تحجير إظهاره، والمضايقة فيه، ومحاولة الإرغام على تركه، والتظاهر بما يخالفه، وإن المرء ليضجر لو أُغمضت عيناه أو سُدَّت أذناه وما هما إلا بعض مظاهر إدراكه، فكيف به إذا سُدَّ عليه قلبه وعقله ورأيه، وإن أسمى العقائد وأقدس الآراء عقيدة الدين لتعلقها بأشرف الموجودات ولتجردها عن الغايات المادية والمنافع العاجلة التي تلائم هناء المرء في عيشه ومسالمة دهماء قومه إياه، فالاعتقاد الديني إعتقاد محبوب؛ لأجل كونه حقًّا بحتًا، ولأجل ذلك فهو سُنَّة من سنن المرسلين، فما من رسول إلا وقد أوذي في الله، وكذلك كثير من أصحاب الرسل أوذوا وهاجروا معهم وبدونهم.

ولْمَّا بعث الله محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإتبعه من إتبعه من قريش وتكاثروا وحاولوا إظهار دينهم بين مشركي أهل مكة لم يرض المشركون بذلك وكشَّروا للمسلمين عن أنياب العدوان وأخذوا يؤذون المسلمين بصنوف من الأذى كانت تزداد يومًا فيومًا بمقدار رسوخ المسلمين في الاستمساك بدينهم، وكان المسلمون صابرين على أذى المشركين حتى بلغ الصبر غايته أذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سنة خمس لطائفة من المؤمنين المستضعفين والمقصودين بخاصة الأذى بالخروج من مكة، ولم يخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينئذ؛ لأنه في منعةٍ بعمه أبي طالب، فقال صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه: “لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه”، فأخرج من المسلمين يومئذ ثلاثة وثمانون رجلاً وتسع عشرة امرأة فتلك الهجرة الأولى، وقد قيل أن ذلك كان بإقتراح من عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ورجع مهاجرة الحبشة إلى المدينة فكان حكم الهجرة من مكة واجبًا على كل مسلم قال تعالى: (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا، وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ)(سورة الأنفال: من الآية 72)، ودام ذلك الحكم إلى فتح مكة.

كم من حكمة لله تعالى فيما اشتمل عليه حادث الهجرة من الأحوال، وكم من نعمة أسداها لعبده ورسوله في تلك الهجرة دلَّ بها على أنه بمحلِّ عنايته، وأنه متمم نوره ولو كره الكافرون، قال تعالى: (وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا).

الحكمة الأولى: صرفه ألباب قريش وحذقهم عن أن يفكروا في قطع دابر أمر الإسلام قبل أن يكثر أتباعه وينتدب له أنصاره وتشتيته رأيهم في صدِّه عن الخروج حتى مكنََّه الله منه، وفي ذلك اليأس تهيئة لهم نحو الدخول في الاسلام.

الحكمة الثانية: أن هيأ له أن تكون هجرته إلى يثرب، ولم يكن ذلك في باله أول وهلة، ففي الصحيح عن أبي موسى الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: “ورأيت في المنام أني أهاجر إلى أرض بها نخل فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هَجَر فإذا هي المدينة يثرب”، فكان من تيسير الله أن ساق إليه النفر الستة الأولين من الأوس الذين أسلموا من أهل يثرب، فإن موقع المدينة كان وسطًا من أرض العرب، فكان بلوغ دعوة الإسلام إلى بلاد العرب بانتشار شعاعي، وهذا أيسر عمومًا مما لو كانت دار الهجرة اليمامة أو هَجَر في الطرف الشرقي الشمالي من بلاد العرب.

الحكمة الثالثة: أن أهل يثرب كانوا أقرب قبائل العرب لقبول شريعة الإسلام، فإنهم وإن كانوا قبل الاسلام مشركين يعبدون مناة وغيرها إلا أنهم لشدة مخالطتهم لليهود وهم أهل كتاب كانت ءاذانهم قد اعتادت معالي التوحيد والشرائع فكانت نفوسهم مرتاضة إلى ذلك.

الحكمة الرابعة: أن الله جعل للمسلمين من أهمية موقع المدينة من بلاد العرب سلطانًا على أعدائهم من أهل مكة، فإن قريشًا كانوا تجار، وكانت لهم رحلة في الشتاء إلى اليمن للتجارة وأخرى في الصيف إلى الشام، سَنَّ لهم ذلك هاشم بن عبد مناف جَدُّ النبي عليه الصلاة وعلى آله السلام وذلك هو المسمى بالإيلاف(1)، وكان مرورهم إلى الشام على طريق المدينة من بطن عالج، فلما صارت المدينة دار سلام وثبتت العداوة بين أهلها وبين قريش صارت ترهب المرور على المدينة، فانقطعت تجارتهم إلى الشام وهياهم تجارتهم، وفي ذلك المعنى قال حسان بن ثابت مهددًا لقريش:
دعوا فلجات الشام قد حال دونها // جلاد كأفواه المخاض الأوارك(2)
بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم // وأنصاره حقًّا وأيدي الملائك
اذا سلكت للغور من بطن عالج // فقولا لها ليس الطريق هنالك

الحكمة الخامسة: انتقال الإسلام من طور إلى طور أكمل منه هو الذي كان مقدمة كماله المعلن عليه يوم حَجَّة الوداع بقوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي)(سورة المائدة: من الآية 3).
مضت مدة إقامة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله السلام بمكة والإسلام حينئذ في طور كان فيه دينا مقتصرًا على إصلاح العقيدة، وتهذيب نفوس أتباعه، وتطهير أخلاقهم في خويصتهم ومجتمعهم، ودعوة المشركين إلى الإيمان بالله ورسله وما جاءوا به، وتشهير فضائع أهل الشرك وضلالهم وسخافة رأيهم، وذلك طور ابتدأ الله به الإسلام لينشأ منشأ سائر الكائنات من طفولة إلى شباب إلى كهولة (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ)(سورة الفرقان: من الآية 32)، ولتهيئة قلوب المسلمين إلى تلقي الشرائع وانتظام الجماعة، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة تطور الإسلام إلى طوره الأشد، فصار دينًا وجامعة وشريعة وحكومة.

الحكمة السادسة: استقلال الاسلام وأمنه وإعلان العبادة، فشرع الأذان وأقيمت الجمعة ونحو ذلك.

الحكمة السابعة: تنظيم الجماعة في الإسلام من أول الهجرة بإبتناء المساجد، وإقامة الأئمة والقضاء، ومشروعية المواساة بين المسلمين بالزكاة والصدقات، وتنظيم قوانين العائلة من شرع تصحيح عقود الزواج وحقوق الزوجين والقرابة والمصاهرة إلخ، وبالاستخلاف في تدبير الأمور وإقامة الأحكام في مغيب الرسول أو في البعد عنه، وإبتداء التشريع العام في أحكام المعاملات والجنايات، ففي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: “إنما نزل أول ما نزل من القرءان سورة من المفصل بين ذكر الجنَّة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الاسلام نزل الحلال والحرام”.

الحكمة الثامنة: تنظيم الدفاع عن الدين والأمة بالتهيء لمقاومة المشركين من أهل مكة وأحلافهم إذا نووا ذلك، وهم بوشك أن ينووه إذا هم من قبل قد ناووه.

الحكمة التاسعة: إيجاد مال للمسلمين لإقامة مصالحهم وعدة لنوائبهم مجتمعًا من الزكاة والأوقاف ثم من المغانم والأنفال.

الحكمة العاشرة: مخاطبة ملوك الأرض ورؤساء الأمم بالدعوة إلى الدخول في دين الإسلام والاستظلال بالراية الإسلامية.

شيخ جامع الزيتونة وشيخ الإسلام المالكي العلاَّمة محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الإيلاف: مصدر أَلِف بمعنى ألف الشيء، وقد أشار إليه قوله تعالى: “لإيلاف قريش”، وكان ذلك من خصائص قريش، قال مساور بن هند العبسي يهجو بني أسد ويكذبهم في دعواهم أنم من نسل أسد بن عبد العزى من قريش:
زعمتم أن إخوتكم قريش // لهم إلف وليس لكم إلاف
أولئك أومنِّوا جوعًا وخوفًا // وقد جاعت بنوا أسد وخافوا

(2) الأوراك: التي تأكل الأراك فيجرح لها أفواهها فيسيل منها الدم.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...
%d مدونون معجبون بهذه: