موقع اسلامي يهدم لنشر قيم الاعتدال والسماحة والوسطية والتعريف بعلماء تونس وموروثهم العلمي

تحريم البغاء في الشريعة الإسلامية

0

تحريم البغاء في الشريعة الإسلامية

طلبت إحدى المطلعات على ما كتَبتُه عن دعوى عدم تحريم الخمر، أن أذكر لها دليل تحريم البغاء.

لكن قبل أن ألبّي هذا الطلب أودّ أن أسوق ملاحظات:

  •  أنّ مثل هذه الإدّعاءات ليست جديدة، بل هي ممّا عمل خصوم الإسلام مذ بعث به النبي صلّى الله عليه وسلّم، على اعتماده كمنهج لمواجهة الإسلام، يقوم على التلبيس وتشكيك الناس فيما تلقوّه من شرائع الإسلام.
  •   أنّ هذه الادّعاءات يلاحظ فيها أنّها تتعلّق بالشهوات والملذّات التي حرّمها الإسلام تحريما قطعيا، على اعتبار أنّها الفيصل الهامّ بين ملّة الإسلام وملّل الكفر التي تستبيحها، وكان أوّل ما شكّك فيه المشركون حكم الربا، فحين نزل تحريمه، وكان الربا ممّا يستهوي المشركين ويرون فيه موردا للثراء السهل الذي تميل إليه نفوسهم قالوا: (إنّما البيع مثل الربا) أي لا يوجد فرق بين الربح المتأتّي من قبل البيع والربح المتأتّي من قبل الربا، في محاولة لتشكيك المسلمين في الحكمة الإلهية من تحريم الربا. وفي عصرنا الحاضر نجد من أبناء جلدتنا الذين يتكلمون بألسنتنا ويتسمّون بأسمائنا من يردّد كالببغاوات ما كان قاله المشركون في الربا، بأنّه لا فرق بينه وبين البيع.
  •   أنّ الذين يحملون جهد هذا التشكيك ـ في العالم الإسلامي ـ هم من الذين درسوا الإسلام وتثقّفوا بثقافته وتعلموا أحكامه عن طريق مؤسّسات التعليم إمّا الغربية أو العربية التي وضعت مناهجها على مناهج المستشرقين، ولذلك تلاحظون أنّ المتسابقين إلى التشكيك في الإسلام وفي رسوله وصحابته وفي القرآن والسنّة النبوية، جميعهم متخرجون إمّا في أوروبا أو من كليات الآداب التي عمل الاحتلال على زرعها في العالم الإسلامي، لتقوم بهذا الدور لهدم ما تبنيه مؤسسات التعليم الإسلامي، بل إنّهم درسوا اللغة العربية التي تعتبر مفتاح العلوم الإسلامية، على أيدي الغربيين وعلى طريقتهم. فكيف تظنّون أن يتخرّج طلبتهم الذين يتعلمون على أيديهم؟

     وما ذاك إلاّ استكمالا لما فشل فيه الاحتلال العسكري من تغريب الشعوب الإسلامية المحتلّة، وإخرجها عن عقيدة الإسلام وتنفيرها من شريعته، وإحلال الفكر الغربي وقوانينه في بلاد الإسلام.

  •      أنّه لا مناصّ ـ أمام الاحتلال الثقافي الذي ما زال مستمرّا ـ أن يعمل كلّ مسلم على معرفة دينه وتعلّم أحكامه من مصادره الموثوقة وأن يساهم في نشر المعرفة الدينية في بلده، وأن يدعم كلّ جهد في ذلك، بكلّ وسائل الدعم المشروعة ،وهو ممّا يعتبر الآن من الواجبات العينية على كلّ أحد، لا يجوز له أن يتخلّى عنها أو يكلها إلى غيره.

 وأمّا عن تحريم البغاء فمن الرداءة العلمية التي تصل ببعض الباحثين المستغربين أن يقول إنّ البغاء ليس حراما في شريعة الإسلامية، في حين كان البغاء يعتبر لدى الجاهليين من أقذر الممارسات، وكان خاصّا بالجواري لا تمارسه النساء الحرائر إلاّ نادرا عند الفاقة. وكانوا يفرّقون بينه وبين الزنا. على أساس أنّ الزنا معاشرة سرّية، تكون بين طرفين ـ ذكر وأنثى ـ بينهما ملاطفة ومودّة، وإنّما يتعاشران على غير الوجه الشرعي في الإسلام، أو على غير الوجه القانوني في القوانين الوضعية، وهو ما يعتبر مجرّما في الإسلام وفي سائر الشرائع الدينية، كما كان مجرّما في القوانين الوضعية قبل أن يتخلّى الغرب عن تجريمه باسم الحرية التي جاءت بها الحضارة الغربية.

     ووجه القذارة في البغاء الذي هو ممارسة الزنا العلني بأجرة، أنّ البغايا في الجاهلية كنّ يضعن رايات على منازلهن ليعرفن أنّهن يمارسن الزنا العلني. فكان يدخل عليهم الرجال الراغبين في ذلك بدفع مقدار مالي، وكانت بيوتهنّ تسمّى في الجاهلية بالمواخير ـ وهو عمل مستمرّ إلى الآن في البلدان الغربية وفي بعض البلاد العربية ـ. فهل هناك ممارسة أقذر من هذا العمل.

    على أنّ دليل تحريم البغاء يقتضي بيان الأمور التالية:

    ـ أنّ من أوّل ما نزل من التحريم هو تحريم الزنا تحريما شديدا فقد نزل بمكّة قبل الهجرة، نزلت به سورة الإسراء في قوله تعالى: (وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً )[الإسراء:32]، وسورة الأنعام في قوله تعالى: (وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ)[الأنعام: 151].

    ـ أنّ تحريم الزنا شمل المسلمين من الرجال وحرائر النساء. أمّا البغاء فلم يتعرّض الإسلام لتحريمه، إنّما تركه المسلمون والمسلمات استنكافا أن يمارسوه لشبهه بالزنا بأنّه علاقة غير شرعية. ولمّا هاجر الرسول وهاجر المسلمون إلى المدينة، وجدوا الإماء ـ وكثير منهنّ أسلمن ـ يمارسنه تحت رعاية أسيادهنّ لأنّه يجلب لهم المال، وكان المنافقون يحرصون على المتاجرة بإمائهم من هذا الباب، إذ كان إكراه الفتيات ـ أي الإماء ـ على البغاء من طرف أسيادهنّ أمرا مستقرّا من عهد الجاهلية؛ وكان الأسياد يفعلون ذلك ليأخذوا الأجور التي تتقاضاها الإماء من ذلك، أو رغبة في أن يحملن من البغاء فيكثر عبيدهم، وقد يسعى من كان الحمل منه في فدائه بعد أن يولد؛ فسكت الرسول صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك، فلم يلحقه بالزنا إلحاقا صريحا. واستمرّ الأمر إلى حدود السنة الثانية للهجرة، حين نزل القرآن بتحريمه في سورة النور في قوله تعالى: (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)[النور:33]. والمراد بالفتيات الإماء. وكان ذلك في حدود السنة الخامسة للهجرة. والمراد بـ (عرض الحياة الدنيا) الأجر المأخوذ في البغاء.

    وكانت الحادثة التي نزل بسببها تحريم البغاء، ما رواه الزهري أنّ رجلا أسر يوم بدر، وكان قد جُعِل عند عبد الله بن أبيّ بن سلول ـ كبير المنافقين ـ، وكان لعبد الله أمة يقال لها معاذة، فكان الأسير يريدها على نفسها، وكانت مسلمة فكانت تمتنع لأنها أسلمت، وكان ابن سلول يكرهها على ذلك ويضربها، رجاء أن تحمل للقرشي فيطلب فداء ولده، فنزلت الآية. وروي أنّها أقبلت إلى أبي بكر فشكت ذلك إليه، فذكر أبو بكر ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم، فأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم أبا بكر بقبضها، فصاح عبد الله بن أبي : من يعذرنا من محمد يغلبنا على مماليكنا. فأنزل الله هذه الآية، وهذا كان قبل أن يتظاهر عبد الله بن أبيّ بالإسلام .

     وجميع الآثار المروية عن الصحابة والتابعين متظافرة على أنّ هذه الآية كان بها تحريم البغاء على المسلمين والمسلمات المالكات أمر أنفسهنّ؛ لأنّه لا مكره لهنّ عليه. وكذلك تحريمه على الإماء المسلمات، وعلى أسيادهنّ المسلمين بأن لا يكرهوهنّ عليه.

    أمّا الأمة المسلمة التي هي في ملك سيدها الكافر، فهي المقصودة بقوله تعالى في خاتمة الآية: (فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). وهو تعريض بالوعيد للذين يكرهون الإماء على البغاء.

     وقوله تعالى: (إن أردن تحصّنا) شرط لكن لا مفهوم له في النهي عن إكراه الإماء، أي بشرط أن تريد الأمة التحصّن ـ أي التعفّف بالزواج ـ فإن لم ترد التحصّن فلا يمنع سيّدها من إكراهها على البغاء، بل هو شرط جاء على طريق الغالب؛ أي إنّ الغالب من الإماء أنّهنّ يردن التحصّن؛ لأنّهنّ كنّ مؤمنات يرغبن في التعفّف وترك البغاء.

     والداعي إلى ذكر هذا الشرط الذي خرج مخرج الغالب تشنيع حالة البغاء بأنه كان يقع به منع الإماء من التحصن، وكان يحصل عن إكراه لهنّ عليه. فهما قيدان، وفي ذكرهما إيماء إلى حكمة تحريمه وفساده وخباثة الاكتساب به .

    ويؤيّد هذه الآية في تحريم البغاء، ما جاء في حديث أبي مسعود أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: شرّ الكسب مهر البغي، وفي رواية: نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن مهر البغي(أخرجهما مسلم)، والنهي عن مهره أي أجرته يقتضي إبطال البغاء. وما جاء عن عائشة رضي الله عنها أنّها ذكرت أنواع النكاح في الجاهلية، فذكرت منها البغاء فقالت: ونكاح رابع يجتمع الناس فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها، وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن الرايات تكون علما ، فمن أرادهن دخل عليهن، ثمّ قالت: فلما بعث محمد بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم (أخرجه البخاري)

   وعند بعض العلماء أنّ قوله تعالى (إن أردن تحصّنا) هو شرط حقيقي لتحريم إكراه الإماء على البغاء، أي فإن لم يردن التحصّن فلسيّدهن إكراههن عليه. وهذا على سبيل التدرّج في تحريم البغاء، حتى جاء النهي قاطعا بتحريمه بأحاديث النهي عنه، وبإنزال عقوبة الزنا على الإماء غير المتزوّجات. (للتوسّع راجع كتاب: مصطلحات قرآنية حول لباس المرأة المسلمة).

     ومع ذلك كلّه يعتبر تحريم البغاء من المعلوم من الدين بالضرورة، الذي تحدثنا عنه في تحريم الخمر.

       والله أعلم

الشيخ الحبيب بن طاهر

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...
%d مدونون معجبون بهذه: