موقع اسلامي يهدم لنشر قيم الاعتدال والسماحة والوسطية والتعريف بعلماء تونس وموروثهم العلمي

تعليقًا على كلام الشيخ راشد الغنوشي في الندوة الصحفية 2

0

تعقيب آخر على كلام الشيخ راشد الغنوشي في الندوة الصحفية:

قال الشيخ راشد الغنوشي في الندوة الصحفية: “عندما أرسل محمد بن عبد الوهاب مؤسس الوهّابية رسالة إلى باي تونس يدعوه فيها إلى مذهبه، فأعطى الباي تلك الرسالة إلى شيوخ جامع الزيتونة ورَدّوا ردوداً مفحمة وردودًا قوية على محمد بن عبد الوهّاب، والآن شكون اللي عنا من المشايخ اللي رُدّوا؟! ما عادش عنا لأن جامع الزيتونة تمّ نَسْفُه” اهـ

أقول في عجالة، وإلا فالمقام لا تليق به إلا الإطالة: هذا الكلام جديد في خطاب الشيخ راشد، وكان يمكن تصديقه لولا أنه دافع في نفس الندوة على شيوخ الوهابية المتهافتين على تونس لاستغلال الفترة الانتقالية ومخلّفات الأمّية الشرعية، فقد وصفهم الشيخ راشد بالسِّلْميّين في حين أنهم دعاة لنفس الفكر الوهابي التكفيري الذي رفضه باي تونس وشيوخها تحملا منهم للمسؤولية الدينية ومحافظة على وحدة البلاد التونسية، وهو نقيض موقف حركة النهضة إلى حد الآن التي تتخلى عن ثوابت الهوية الزيتونية لصالح الوهّابية.

وأيضا فما ذكره الشيخ راشد هنا عن ردود علماء تونس على الوهابية هو نقيضُ ما وصفهم به في كتابه “القدر عند ابن تيمية” حيث اعتبر محمد بن عبد الوهاب مجددا ومصلحا، ووصف صفوة علماء تونس آنذاك بما لا يليق أبداً قائلا: لم يكن عجبا أن تلاقي رسالة محمد بن عبد الوهاب إلى باي تونس من الردّ “المقذع” ما لم تجد مثله رسالته إلى ملك المغرب حيث لاقت كل ترحيب وكان تفاعل العلماء معها مهما. (ص 16) ويبدو أن الغنوشي لم يطلع على رد العلامة الطيب بن كيران الفاسي على الوهابية فإنه لا يقل قوة عن ردود علماء تونس.

فانظر كيف وصف الشيخ الغنوشي ردّ علماء تونس بالمقذع، والقذَعُ: هو الفُحْشُ من الكلام الذي يَقْبُحُ ذِكْرُه، ثم وصفَهُ في هذه الندوة بالمفحم القوي، ولن أتهمه بالتلاعب السياسي لكي لا نقول غير ذلك، ولكنّ هذه الأمور لا يجوز فيها الغموض، فإنها دينٌ وفي أعلى مستويات الخطورة، وعلى من يمسك بمقاليد الحكم أن لا يتلاعب بهوية البلاد الدينية ولا بأمنها العقديّ، فلسنا في أنقلترا مثلا حتى نشجع ونسمح لكل العقائد المتناقضة بالرواج بحجة الحريّة، بل واجب على الحكام توحيد عقائد الأنام، فإننا عرَبٌ مسلمون مكلفون بعبادة الله تعالى وحدَه بنهج رشيد صحيح، وقد منّ الله علينا في تونس بمعرفته واتباعه.

والمنارة العلمية الزيتونية التي أغلقها بورقيبة وفرغها بن علي لم تقدّم لها حركةُ النهضة ورقة واحدة ولا قلم رصاص منذ استئناف التعليم الأصلي فيها، بل يقال نقيض ذلك حيث تتهم أطراف في وزارة الشؤون الدينية بالاستيلاء على أموال رصدت للجامع، بل سعت الحركةُ إلى قلب هوية الزيتونة بإدخال مشايخ الوهّابية فيها برعاية وزير شؤونها الدينية ومستشاريه، إلا أن الله تعالى أبطل ذلك، وهي الآن تسعى جاهدة لنسف الزيتونة نسفا حقيقيا جديدا لاعتزامها إغلاق التعليم الأصلي فيه مرة أخرى كما هو معلوم للمطلعين على القضايا المنشورة.

إن جامع الزيتونة وتعليمه الأصلي الممتد لطيلة قرون بالقيم الدينية الصحيحة لهو خط الدفاع الأخير لكل التونسيين ضدّ التطرّفين: العلماني، والوهّابي بشقيه العلمي والتكفيري، فكلا التطرفين يهددان البلاد، ولا تطلب الزيتونة من حركة النهضة التي تحاول بكل السبل إدخال الوهابية إليها ولا من غيرها من الأحزاب إلا أن يدعوها وشأنها إذا لم يختاروا دعمها، ويتركوا لها فسحة من الزمان لإصلاح ما أفسده بورقيبة وبن علي، لا أن يكونوا امتدادًا لهما.

وينبغي على عقلاء حركة النهضة إن كانوا يريدون النجاح أن يراجعوا خياراتهم الاعتقادية، وأن يرجعوا إلى دعم الهوية الإسلامية الحقيقية للبلاد التونسية، بعيدا عن دعم الوهّابية وتغليبهم على الزيتونة الوسطية، لمجرد أهداف سياسية ضيقة ستؤدي حتما إلى مزيد الصدام والتطرف والغلو والتفرّق، ونرجو أن لا يبقوا مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء كما يدل على ذلك اختلاف أقوال الشيخ الغنوشي في نفسها واختلافها مع الأفعال الظاهرة، وليعيدوا جيدا قراة التاريخ التونسي، فإنه لم ينجح فيها أيّ فكر دخيل على حقيقة هويتها التي اختارها الله لها، زيتونة لا شرقية ولا غربية، مالكية أشعرية وسطية.

بقلم نزار حمادي

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...
%d مدونون معجبون بهذه: