موقع اسلامي يهدم لنشر قيم الاعتدال والسماحة والوسطية والتعريف بعلماء تونس وموروثهم العلمي

حكم تعطيل يوم الجمعة

0

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تتخذ دول الغرب يوم الأحد يوم عطلة رسمية لها، فهل يجوز أن نتبعهم في ذلك، أم يجب على المسلمين أن يتخذوا يوم الجمعة يوم عطلة رسمية لهم؟

الجواب:

الكاتب: ياسين بن علي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10)}.

قال الإمام جمال الدين القاسمي في تفسيره (ج16 ص5804): “يدلّ قوله تعالى {وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} على عدم مشروعية تعطيل يوم الجمعة، ففيه تعريض بمجانبة التشبه بأهل الكتاب في تعطيل يومي السبت والأحد، وردّ على ما ابتدع فيه من الوظائف ما يدعو إلى الانقطاع عن كل عمل. والأصل أن كل ما لم ينص عليه الكتاب الحكيم، ولا الهدي النبوي، من خبر قويم، فهو تشريع ما لم يأذن به الله. وإذا رفع الله بفضله عنا الإصر والأغلال التي كانت على من قبلنا، فما بالنا نستجرّها إلينا بالأسباب الضعيفة، فاللهم غفرا”.

وجاء في المدونة (ج1 ص234): “وقال مالك: لا ينبغي للإمام أن يمنع أهل الأسواق من البيع يوم الجمعة… قال مالك: وبلغني أن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يكرهون أن يترك الرجل العمل يوم الجمعة، كما تركت اليهود والنصارى العمل في السبت والأحد”.

وشرح هذا ابن رشد في البيان والتحصيل (ج1 ص244-245) فقال: “وهذا لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بمخالفة أهل الكتاب، وينهى عن التشبه بهم، وروي عنه أنه قال: “إنّ اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم“، وأنه قال: “ألحدوا ولا تشقوا فإنّ اللحد لنا والشقّ لأهل الكتاب“، وأنه قال: “فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر“، ومثل هذا كثير”.

وقال الإمام المازري في شرح التلقين (ج1 ص1007): “قال في مختصر ابن شعبان: ولا بأس بكينونة الرجل في سوقه إلى أذان الجمعة. قال ابن شعبان يريد كما فعل عثمان رضي الله عنه. وهو الأمر الذي كان عليه الصدر الأول لا يجتنبون البيع يوم الجمعة بل يستحبون ذلك ويرغبون فيه خلافا لليهود فيما يصنعون في سبتهم. وقد أذن الله سبحانه في ذلك إلى النداء لها ثم أذن به بعد الفراغ منها كما قال جل ذكره. وأما ترك العمل يوم الجمعة فقد كرهه مالك وكان بعض الصحابة يكرهه”.

وجاء في شرح الحطاب على خليل (ج2ص548): “(والعمل يومها) ش: أي يكره ترك العمل يوم الجمعة يريد إذا تركه تعظيما لليوم كما يفعل أهل الكتاب، وأما ترك العمل استراحة فمباح”.

وفي شرح المواق (مع الحطاب، ج2 ص548): “(والعمل يومها) ابن عرفة: الرواية كراهة ترك العمل يوم الجمعة كأهل الكتاب. أصبغ: من ترك العمل استراحة فلا بأس به، وأما استنانا فلا خير فيه”.

وقال ابن عبد البر في التمهيد (ج10 ص77-78): ” وفيه أن السوق يوم الجمعة لم يكن الناس يمنعونه، ومن تجر فيه إلى وقت النداء، فإن ذلك مباح إلى ذلك الوقت؛ لأن الله تعالى إنما أمر بترك البيع وبطلان المتاجر بعد سماع النداء للسعي إلى ذكر الله لا لغير ذلك. قال ابن القاسم: قال مالك: لا أرى أن يمنع أحد الأسواق يوم الجمعة؛ لأنها كانت قائمة في زمن عمر بن الخطاب في ذلك الوقت، قال: والذاهب إلى السوق عثمان، قيل له: أيمنع الناس السوق قبل الأذان يوم الجمعة؟ قال: لا”.

وعليه، فإنّ ترك فرد أو أفراد للعمل يوم الجمعة استراحة لا حرج فيه، وأما ترك مجموع الناس للعمل واتخاذ اليوم يوم عطلة رسمية تغلق فيه المحلات والمؤسسات وتتعطّل فيها المصالح، فلا يجوز؛ لأنه تقليد لليهود والنصارى في شعار من شعاراتهم. فلا يجوز أن نقلّد النصارى في تعطيل يوم الأحد، ولا يجوز أيضا أن نقلّدهم فنتخّذ من يوم الجمعة يوم عطلة. روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبرا شبرا وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن“. وقد كان المسلمون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وفي عصر الصحابة والتابعين، يعملون يوم الجمعة ويكرهون ترك العمل فيه كراهة التشبّه باليهود والنصارى الذين يقدّسون يوم عطلتهم ويمتنعون عن العمل فيه. ومن تدبّر في النصّ القرآني وجده يأمر بالعمل على خلاف عادة اليهود والنصارى. فقوله تعالى {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} أمر بالعمل، وهذا الأمر وإن كان للإباحة فإنّه يدلّ على عدم التعطيل؛ لذلك كان ترك العمل والتزام التعطيل مخالفا للنصّ القرآني.

إنّ الواقع موضع فكر وليس مصدر فكر، فمن أدرك هذا وقاس الأمور بمقياس حضارته الإسلامية المتميّزة، أدرك نمط العيش الإسلامي المتميّز الذي يرنو إليه الإسلام. روى أبو داود عن أنس قال: “قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر“. فالإسلام، لا يقلّد نمط عيش أنتجته حضارة غير حضارته بل يوجد نمط عيش مميّز وطراز حياة فريد ينسجم مع حضارته.

12 ذو القعدة 1433هـ

المصدر: مجلة الزيتونة

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...
%d مدونون معجبون بهذه: