موقع اسلامي يهدم لنشر قيم الاعتدال والسماحة والوسطية والتعريف بعلماء تونس وموروثهم العلمي

خلفية الصراع في الزيتونة …

0

خلفية الصراع في الزيتونة …

لن أقدم حلولا لهذه القضيّة الشائكة بل سأحاول أن أبين مواطن الخلل من منظوري و مسببات الأزمة …

اثيرت في الآونة الأخيرة قضية مشيخة الجامع الأعظم “و هي التسمية المستصحبة من الارث التاريخي للزيتونة- و قد أثارت صخبا و جلبة في المسجد و قلاقل و فتن خارجه، و المتفرّس في المشهد العام يعي جيدا أن الأزمة متشعّبة و شائكة و معقّدة و لا يجب أن نُغلّب طرفا على طرف و المشاهد يعي جيّدا أن العلاقة الأكسيولوجية القيمية الأخلاقيّة في أزمة حقيقية فقد طغت عليها الأنانية، والغيرية و الفردانية و المسائل الشكلانية و ذلك للأسباب التالية :

كبداية… لا يغرّنكم دموع الشيخ حسين العبيدي رغم تصديره لنفسه كمنقذ الزيتونة و آخر أمل لاعادتها…

و لننطلق في تشخيص سياسات وزارة الاشراف، لقد قامت الوزارة بمحاولات عديدة للتدخّل في مشيخة الجامع و فرض نوع من الرؤية القصريّة على مشائخ الجامع ، و لم تراعي الظرفية التاريخية و لا ظروف ولادة الزيتونة من جديد…
الزيتونة بالنسبة لهؤلاء كالأب الذي افتقد ابنه لسنين طوال ووجده صدفة فأراد أن يبقيه بجانبه بقية حياته ليعوض ما فاته …

كمبدأ عام فان سياسية الوزارة هي تكريس حقيقي لوصاية أبوية و فوقية و سلطوية في التعامل مع مشيخة الجامع كيف لا و هي تريد أن تنصب و تعزل و تفرض بل و تحتكر سلطة انزال الأئمة في المطلق ؟
ألا يوجد حل وفاقي منهجي يؤسس لعلاقة حوارية جديدة و يكون مصباح الأمل .. ؟

الامامة ليست لمن طلبها …

الأفضل أن يؤم الناس من هو أكمل حالاً، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سناً.
ولا يجوز للرجل أن يؤم قوما وهم له كارهون، لحديث أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم العبد: الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون. رواه الترمذي
قال أبو عيسى الترمذي بعد هذا الحديث: وقد كره قوم من أهل العلم أن يؤم الرجل قوماً وهم له كارهون، فإذا كان الإمام غير ظالم فإنما الإثم على من كرهه لغير سبب شرعي.
وقال أحمد وإسحاق في هذا: إذا كره واحد أو اثنان أو ثلاثة فلا بأس أن يصلي بهم حتى يكرهه أكثر القوم.
قال ابن العربي في عارضة الأحوذي: وأما الإمام للقوم وهم يكرهونه فقال قوم: هو الإمام الجائر وهو ملعون، ولايمتنع أن يكون إمام الصلاة مثله إذا كان فاجراً، فإن كان ذلك من ظلم الجماعة له وهو على طريقة حسنة لم يدخل في الذم. انتهى
قال هناد قال جرير قال منصور بن المعتمر السلمي: فسألنا عن أمر الإمام ؟ فقيل لنا: إنما عنى بهذا أئمة ظلمة، فأما من أقام السنة فإنما الإثم على من كرهه.
والحاصل: أن الصلاة وراءه صحيحة، وأما فعله هذا فلا يؤثر في صحة الصلاة، وإثمه عليه إن ترتب على تمييزه بين الناس ظلم أو تولية من لا يستحق، والواجب النصح والأمر بالمعروف والتعاون على البر والتقوى..

“اذا تسيست خربت”
اذا تسيست القضية فارم بالمساعي التقريبية عرض الحائط كيف لا و كل طرف يريد أن يوظف القضية لصالحه و يخرج منتصرا نصرة لغايات ذاتية و فردية سياسوية ضيقة، المطّلع على دقائق الأمور يعرف ان هناك تيارات دعوية و فكرية كثيرة بالجامع و من غير اطناب و لا اسراف و اسفاف فان الظاهر منها هو بالأساس حزب التحرير و الدعوة السلفية و الدعوة و التبليغ و المتصوفة و حاملي الفكر النهضوي … و بطانة الحسين العبيدي لأمانة هي خليط من كل هذا و لكنه استند اساسا على تياري السلفية و التحرير، فبالنسبة للدعوة السلفية فالنصرة وجدانية بالاساس و لكنها ترتقي الى خطب في المساجد دفاعا عن الشيخ لذاته لا لعلمه فهو يشبع ولعها الاحتجاجي في العلاقة بالحكومة النهضوية التي لا ترضيهم مرجعيتها و لا خياراتها التغيرية و النموذج المجتمعي الذي تتبناه -و مثال ذلك بشير بن حسن- و الغاية ايضا عقائدية للأسف فولع التموقع و دفع الفكر الضال كما يلقبونه موجود طبعا و هم يريدون بذلك أن يجدوا موطئ قدم لهم في شكل ترسا ضد دعوة محمد عبد الوهاب و كتابات الزيتونيين من مشايخ و قضاة تبرز ذلك فقد اعتبروه مبتدعا خارجيا و ألفوا الرسائل و الكتب في الرد على رسالته المشهورة لأهل تونس، منهم الشيخ العلامة إبراهيم الرياحي و الشيخ الحبر الفهامة عمر بن محجوب و قاضي الجماعة إسماعيل التميمي الذي سمى رده ” المنح الإلهية في طمس الضلالة الوهابية ” و الشيخ الذي لا يخاف في الله لومة لائم العلامة صالح الكواش…
المتدخّل الثاني هو حزب التحرير و قد تألفت هيئة الدفاع عن قضية فتح الجامع المعمور من محامين هم اساسا من هذا الحزب و قد وجد حسين العبيدي بذلك دعما ماديا و معنويا منهم و بصيرورة الاحداث فقد وجد حسين العبيدي نفسه محاطا بهؤلاء الشباب المتحمسين و قد تشكّلت بذلك معالم هذه الجبهة المعارضة لخيارات الوزارة و لفكر الحكومة في وعي هؤلاء ظاهرا و باطنا.

و للأمانة و لكي لا تصوّر المسألة على أنها صراع حزبي صرف فان نهضويين كثر عارضوا سياسة الوزارة و انضموا لصف مشيخة الزيتونة …

و مما يثير الاشمئزاز وصم الشيخ محمد بوزغيبة الذي منع من الخطابة يوم أمس –الامام الذي أم الناس في صلاة الجمعة يوم جمعة الغضب بالقصبة- و هو دكتور بجامعة الزيتونة بانه تجمعي و النزول الى مستوى غير مرضي من الاخلاق الاسلامية فالخلاف لا يجب ان يتجاوز مستويات منحدرة مثل هذه و الحوار هو الحل….

علائقيّة الديني و السياسي…

و من منظور سياسي صرف فتسييس الجامع مرفوض أخلاقيا و استراتيجيا و سياسيا حاضرا و مستقبلا … فالعلماء في المجمل يجب أن ينأوا بأنفسهم عن كل ارتباط بالسلطة للإبقاء على الينابيع الصافية للدين و ضمان عدم توظيفها و الارتباط الحقيقي يجب أن يبقى ماليا اداريا لوجيستيا .

و كخيار استراتيجي فتعاقب حكومات بإيديولوجيات مختلفة يجب ان لا يؤثر أصالة على الزيتونة و قوتها …
و لقد كانت لجامع الزيتونة أملاك و أوقاف ممتدة على مئات الآلاف من الهكتارات فكان دولة مستقلّة بذاته…
و لكن بورقيبة اغلقه و افتك ممتلكاته و ووظفها و لم يحترم موروثه التاريخي الممتد على 14 قرن .. فالزيتونة هي اول جامعة اسلامية في الدنيا وقد بني الجامع سنة 116 ه …

أبرز مثال نلجأ اليه لنقتدي برأيه في هذه المسألة و هو من الأئمة الزهاد الورعين المنقطعين للعلم و العبادة منذ الصغر هو حجة الاسلام الامام الغزالي و هو رجل برع في الفقه و الفلسفة و التصوف …

لقد وضّح الامام مستويات ارتباط الحاكم بالعالم و لـ«الغزالى» عدد كبير من الكتب التي ألفها في هذا المضمار منها كتابه «التبر المسبوك فى نصيحة الملوك»، جمع بين النقد اللاذع وبين الوعظ والإرشاد، فهو ينكر الصفات المذمومة من الحكام، لكنه أيضاً يرغبهم فى حسن الثواب من الله، إذا عدلوا. كان مؤمناً بأن صلاح الأمة مرهون بصلاح فئتين هما: العلماء والحكام، لأنهما لو صلحاً صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس، فوجه إليهما النصح.
و قد تحدث الإمام المجدد عن عظم وخطورة «الولاية»، فهى نعمة من الله، من قام بحقها نال السعادة فى الدنيا والآخرة، ومن قصر فيها نال من البلاء ما «لا شقاوة بعدها» إلا شقاوة الكفر بالله تعالى. ونصح الحكام بتقريب العلماء إليه والاستماع لنصحهم، وحذرهم من «علماء دنيا» يفسدون الحكام والرعية أيضاً. فى المقابل، هاجم علماء يستغلون الدين فى تبرير استغلال الحكام المستبدين، فكتب بابا فيما يحل من مخالطة الحكام الظلمة وما يحرم وحكم الجلوس معهم والإكرام لهم، وأكد عدم مشروعية الدعاء للحاكم الظالم.
و قد رفض «الغزالى» نظرية عصمة الإمام، التى يقول بها الشيعة، مؤكداً أن الحكام بشر، يجوز منهم الخطأ ويجب لهم النصيحة، وعند الخطأ يجب تقويمهم وردهم عن ظلمهم، مذكراً بأن العلماء اختلفوا فى عصمة الأنبياء، والأكثرون لم يعصموهم فى صُغرهم، فكيف ندعى العصمة لحاكم؟

العبيدي يشخصن المسألة…

لقد كان حسين العبيدي مشرفا اداريا على ادارة الزيتونة سنة 1990 بتكليف من بن علي و لم يكن شيخها للتوضيح و بعد السنين الطوال من الغلق بمفعول الظلم و الجور فتحت الادارة من جديد بمقتضى قرار قانوني و كان من الطبيعي ان يفرز القرار آخر من تولى الادارة…

لقد استقال مدير ديوانه لأنه اكتشف كمّ الضعف الاستراتيجي و ضبق الأفق عنده فهو يتحدث واهما عن 75 شيخ منتشرين في الجمهورية و يتحدث على اطلاق التعليم الزيتوني في سيتمبر رافضا في آن أن يرتبط بوزارة التربية و بذلك فهو يرد صناعة جيل لا يعترف العالم بشهائده و منبت هيكليا و بيداغوجيا …

لقد استغل السيد العبيدي المنبر يوم أمس و شحن الاجواء بخطاب وجداني مهيج للمشاعر و اعترف بعظمة لسانه انه يشكوا ازمة نفسية و امراض عديدة … و اذا عرف السبب بطل العجب فالسيد العبيدي رجل هرم طاعن في السن لا يستطيع ان يدير شأن جامعة باختصاصات متعددة و تبقى بذلك هذه الفكرة ضبابية و مشوشة في ذهنه و غير قابلة للتطبيق على ارض الواقع و هذا هو موطن الخلل و سبب خوف الوزارة حسب تقديري فكيف يتكفل شخص في مثل سن العبيدي و بتلك الحالة الصحية بالانفراد بالتخطيط لإعادة انتاج النظام التعليمي الزيتوني…
انه ضرب من الجنون … و هنا فالحوار الموضوعي و العقلاني هو الحل و على الوزارة ان تتفهم الاطار النفساني لمشائخ لزيتونة الطاعنين في السن و ان تبحث عن حلول حقيقة للأزمة المعرفية و العرفانية الطاغية بعد السنين العجاف …

المصدر: مدونة العڨيد

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...
%d مدونون معجبون بهذه: