موقع اسلامي يهدم لنشر قيم الاعتدال والسماحة والوسطية والتعريف بعلماء تونس وموروثهم العلمي

د. هشام قريسة : عضوية المجلس الإسلامي الأعلى: تشريف أو تكليف ؟

0

لا شكّ أنّ الانتساب إلى مجلس إسلاميّ، يوصف بأنه أعلى يستلزم تحمل مسؤولية علمية ثقيلة تتمثل في النظر في كل المسائل التي تعرض عليه من جهة السلطة التنفيذية والمتعلقة بالنواحي الفقهية والاجتماعية للأمة ومن أهداف هذا المجلس إصدار الأنظار والمعارف والمواقف الملائمة للشرع والمُحصّنة للأمة في عقائدها وقيمها وتشريعها.

ولا شك أن هذه الالتزامات الملقاة على كاهل المنتسب لهذا المجلس، هو تكليف ومسؤولية وأمانة، سيسأل عنها وسيحاسب عليها، ولن تكون أبدا تشريفا كما يتصوّرها اللاّهثون وراءها .

ولا شك أن كل عاقل، بصيرٍ بهذا الأمر- وما أقلهم في هذا الزمان – لا يندفعون إلى عضوية هذا المجلس، لِمَا يعلمون من جسامة الأمر وعظيم الأمانة وخطر المسؤولية، ولا يرَوْنه تشريفًا وكيف تكون تشريفا وهي للقاصر عن مرتبتها، العاجز عن تحمّلها خزيٌ وندامة – كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم إلاّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقها.

ولا شك أن الذي يكون في وسع من أمره أي لم تتعين فيه، ولم يُلْزَمْ إلزامَ الوجوب والولاية ، لا يسارع إليها ولا يَسْتبشِر بعُضْويّتها لأن الحومان حولها وحول كلّ مسؤولية تتصل بالسياسة في هذا الزمان، مُوقعٌ في شِرَاكِ الفتن.

ولا شكّ أن الزهد فيما يتنافس فيه الناسُ اليوم، ويتكالبون عليه وُيوَسّطون غيرهم فيه، ويتبادلون في تحصيله التهاني، لا شك أن التلهّي عنه هو عين الصواب وقصد الرشاد.

إن الناس – لظلمهم وجهلهم- لظلمهم لأنفسهم في التشوُّف للمسؤولية ولجهلهم بمتطلباتها، يرون الانتساب إلى المجلس الإسلامي الأعلى تشريفا يحظون به جزاءً لانتسابهم للإسلام ولانتسابهم إلى حركة إسلامية أو حزب إسلامي، ويَرَوْنَ كمكافأة على انتسابهم السياسي أو المذهبي،أن يَحْظَوْا بالمراتب ويُجَازَوْا بالرتب يَمُنّ بها عليهم من يقدمون له الولاء السياسي.

إنّ الناس يرون المناصب والرئاسات والعضويات في المجالس المختلفة امتيازا يُكمّلون به شخصياتهم التي ينقصها هذا الاعتبار، فإذا ما كلفوا فرحوا، واستبشروا وقبلوا التهاني واسْتبْطنوا ما يشعر به الناس نحوهم من أنهم محظوظون وهو يقولون في أنفسهم ” يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنّه لذو حظ عظيم ” القصص 79.

ولكن أهل العلم، الصادقين مع أنفسهم، المدركين لجسامة الأمانة،لا يفرحون ولا يستبشرون حتى يؤدوا المسؤولية على أحسن وجه وقد روى أبو داود عن مسعر قال : ليتني صليت فاسترحت ، فكأنهم عابوا عليه ذلك ” فقال سمعت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا بلال أقم الصلاة أرِحْنَا بها” سنن أبي داود – كتاب الأدب – باب في صلاة العتمة، حديث 4985 ج 4 ص 298.

وإن الناظر في قائمة الأشخاص الذين يمثلون المجلس الإسلامي الأعلى، يلحظ خروقات على مستويات عديدة

أولها أن طائفة من الذين وقع تعيينهم ليسوا من ذوي الاختصاص والتمكن في العلوم الإسلامية، فنجد أشخاصا ليسوا من المختصين في العلوم الإسلامية، المشتغلين بها، وكان الأولى أن يُعَدّوا من ذوي الخبرة الذين يستعان بهم في اختصاصهم سواء كانوا في الطب أو الاقتصاد أو علوم الاجتماع أو النفس أو التاريخ أي أن يكونوا خبراء ولا يكونوا أعضاء وإن نظرة عاجلة على تركيبة اللجنة المختارة لسنة 1989 م تبين أن الأعضاء كلهم من ذوي الاختصاص الشرعي.

كما أننا نجد من أعضاء المجلس أفرادا من ذوي الاختصاص الشرعي ولكنهم ليسوا من ذوي التمكن من العلوم الإسلامية، أي منهم من لم يحصل إلا على الأستاذية أو الإجازة في الشرعيات في حين أننا نجد طائفة من المتحصلين على شهادات الماجستير والدكتوراه ولهم خبرة في التدريس والتأليف والمشاركة في الندوات العلمية والملتقيات مغيبون عن هذا المجلس

إن من شرط المجالس العلمية أن يكون أعضاؤها متكافئين في العلم والتحصيل والشهادة حتى تكون المشاركة متكافئة، لا أن يبحث ويحقق في المسائل واحدٌ ويكتفي الآخر بالموافقة.

إن اختيار أعضاء المجلس الإسلامي الأعلى يجب أن يكون على أساس الكفاءة والقدرة على الإفادة العلمية، لا على أساس الولاء السياسي أو الانتماء الجهوي، وإن المدقق في هذه القائمة المعروضة يلحظ أن اختيار كثير من أعضائها قائم على هذين الاعتبارين وإنه لمن المؤسف أن يقع الانزلاق إلى هذه المطبات، وأنه لم يقع التفطن إلى ذلك، ولم يقع تقدير كافٍ للمسؤولية ولم يقعْ نصحٌ من الذين استشيروا، فقد أشاروا عن هَوًى واختاروا عن هَوًى.

الثاني وهو مهم أيضا أن لا يقع تحميل مسؤولية على مسؤولية أي أن لا يكون هناك ازدواج في المسؤولية. فإن طائفة من أعضاء المجلس لهم مسؤوليات في المجلس التأسيسي هم مشغولون بها ، و منهم من له مسؤولية حزبية أو حركية، فإن كلا الطرفين لا يصلح في المسؤولية الاجتهادية والنظر العلمي، لأن العلم لا يناسبه التسييس ولا التحزب وهذا مدرك في حضارتنا الإسلامية، فإن كبار الفقهاء والعلماء في الأمة لم يكن لهم نشاط سياسي أو قضائي أو حزبي وإنما غاية مُنَاهُمْ النظر، والتفكر في قضايا الواقع ومشاغل الناس وإيجاد الفتاوى الشرعية المناسبة لذلك.

واعتبارا للتشابك في الوظائف والتداخل في المسؤوليات، واعتبارا للبعد الحزبي والانتماء الجهوي للقائمين على هذه المؤسسات، واعتبارا لتدافع الناس غير المهيئين لهذه المسؤوليات لكل هذا وغيره ممّا لم أكشف عنه، فإنني زاهد في الانتساب إلى هذه المؤسسة لما وَصَفْتُ وذكرت، فإن تغير الحال كان لي بعد ذلك مقالٌ، فإما إلى وِصالٍ وإنما إلى انفِصَالٍ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

د.هشام قريسة

جامعة الزيتونة – تونس –

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...
%d مدونون معجبون بهذه: