موقع اسلامي يهدم لنشر قيم الاعتدال والسماحة والوسطية والتعريف بعلماء تونس وموروثهم العلمي

ذكرى ولادة منقذ البشريّة الأعظم – بقلم فضيلة الشيخ المختار بن محمود

0

ذكرى ولادة منْقذ البشريّة الأعْظم

سيّدنا محمّد

                                                      

العبرة من الذكْريات ما يجب أن يستفيده  المسلمون من ذكرى رسول اللهﷺ .

     لكلّ أمّة من أمم الأرض أيام مشهودة ، ورجال أبطال ، وحوادث كبرى ، تفاخر بها وتحتفظ بتاريخها ، وتحرص على إشهارها حتى يعرفها النّاس ، فيقرّوا لها بالمجد وأسبقية الفضل وحتّى تبقى منتقشة على قلوب النّاشئين من أبنائها فيشبّ معتزّين بأنفسهم ،مفاخرين بقوميّتهم عاملي على إحياء ما اندثر من مجدهم أو انطمس من مآثرهم.

     وللأمّة العربيّة من غرر الأيام، وأعاظم الرّجال، ومهمّات الحوادث ما يجعلها تتبوّأ بحقّ مقعد العزّ والشّرف بين سائر أُمم الأرض، وما يخوّل لها بحقّ أن تفتخر، وترفع رأسَها عاليا إلى عنان السّماء، ولا يضيرها ما وصلت إليه في بعض الأحيان من تأخّر و استعباد، وتخاذل وانحلال، فالدنيا دُول، ولا بدّ أن يأتي يوم يرونه بعيدا، ونراه قريبا، تفتكّ فيه الأمّة العربيّة ما اغتصب من حقوقها، وانتهك من حرماتها، وابتزّ من مآثرها.

      ولا نريد أن نتحدّث الآن عن تفصيل ما للعرب من المآثر الخالدة،والتاريخ المجيد فذلك له وقته وله مقامه،وإنّما الذي يهمّنا الآن ونحن في شهر المولد أن نتحدّث عن معجزة العرب الكبرى ،وهي النبيّ العربي سيّدنا محمّد بن عبد  الله ﷺ، فنقول:

     شاعت الضلالة، وعمّت الجهالة، وطغت القوّة على الحقّ وفشّت عبادة الأوثان، ونما الشرك، وتعددت الأديان، وتعزّز النّاس بالعصبيّة، والنزعة الطّائفيّة، وتهافت النّاس على القتال، وزال الاطمئنان من النّفوس، وانتهكت الحرمات، وتنوّعت المعاصي، والموبقات، فصار العالم كلَيْل دَامس تراكمت ظُلمته، حتّى كاد لا يُرجى له إصْباح أوْ كبحْر لجُّيّ تَلَاطمت أَمْواجه فَلَا يُؤمل راكبه النَّجاة.

     هذه هي الحالة التي وَصَل إليْها البَشر، وهي حالة مُنذرة بالخَطر العَظيم والخَطب الجَسيم، فأراد اللهُ تعالى أن ينقذ البَشريّة ممّا آلت إليْه، و اختار أن يَكون إنقاذها على طريق الأُمّة العربيّة، وعلى يَد رَجل عَربيّ من أَرفع العَرب بَيتا وأعلاهم مقاما وأشْرفهم عُنصرا ومحتدّا. فظهر الرّسول الأعظمﷺ، فأشرقت العوالم بعد ظلامها وتبسّم الزّمان بعد عبُوسه، فَكانت السَّاعة التي وُلد فيها رَسُول اللهﷺ سَاعة الفَصْل بين الحقّ والبَاطل، والانْتقال مِن الظُلمة إلى النُّور، و التَّحوّل مِن الشَّقاء إلى السَّعادة ورغْد العيْش لاَ بالنسبة  للعَرب وحْدهم بَل لجَميع الأُمم عَلى اخْتِلاف الأَجْناس والأَدْيان وَالأَقاليم.

     إذْ من خَصائص هَذا الرَّسول العظيمﷺ أنّ اللهَ قدْ جَعله رَحمة للعَالمين  ومَا مِنْ أَحد عَلى وجْه الأَرْض إلاَّ وقدْ اسْتفاد من بَركاته وفَيضهﷺ فَجَدير بموْلده أَنْ يَكُون عِيدا مِن الأَعْياد العَالميّة التي تَتَشارك جَميع الأُمَم في الابْتِهَاج بهَا، والتَّنْويه بِشَأْنها.

     ثمّ إنَّ الاحْتفال بذكْرى ولادته ﷺ ينْبغي أنْ لا يجْعل مَقصورًا على مظاهر الابْتهاج والفرَح بل يَجب أنْ يضمّ إلى ذلك ما يُسْتفاد منْه من العِبر وما يسْتخْلص منه من المواعظ، وإنَّ في حيَاة سيِّدنا رسُولِ اللهﷺ لعبرًا يجب على المسلمين أن يستفيدوا منها ويَسيروا على مِنوالها حتى تتهيّأَ لهُم الأسْباب لاسْترجاع بعضِ ما لهُم من عزّ ضائع وشرَف مُداس.

     ومواضع العبْرة منْ حياة رسُولِ اللهﷺ كثيرة متعدّدة يعسُر على الباحث استقْصاؤُها والبلوغ إلى نهايتها،

            فَإِنَّ فَضْلَ رسُولِ اللهِ ليسَ لَهُ     حَدٌّ فَيعْرِبَ عنْهُ ناطِقٌ بِفَمِ

     ونرى من المـُناسب أن نَقْتصر هُنا على واحدة منْ تلك العِبَر لما لها من الأهمّية الكُبْرى، ولما لها من التعلُّق بحياتنا الحاضرة وهْي (الوَحْدة الإسلامية).

     إنّ منْ يتَتبّع سير رسُول اللهﷺ في أقْواله وأعْماله يتَجَلّى لَه أنّ مِن أهمّ الأغْراض التّي كان يسْعى إليْها ويجْتهد فيها تكْوين الوَحْدة الإسلاميّة بقطْع دابِر الخِلاف بيْن المسْلمين وإيجاد أسْباب التَّوادُدِ والتَّراحُم بيْنهم.

     ومَعْلوم أنَّ أفْتَكَ الأمْراض بالأُمَم هُو مَرض التّخاذُل والانْقسام فَالأمُّة التّي تُبتَلى بهَذا المرض تَكون عُرْضةً للفَنَاء ولُقْمةً سائغةً لكل فَمٍ يُريد ابْتلاعَها، فمِنْ أجْل ذلك جاء دينُ الإسْلام بالحَثّ على تقْوية رَوابط الَموَدّة والاجْتهاد في اجْتثاث بُذور الخِلاف.

     وكان أَوّل مظْهر عمليّ قام به رسُول الله ﷺ في هذا الغَرض ما وضَعَه مِن التّآخي بيْن المهَاجرين والأنْصار حتّى صَار الأنْصاريّ يتنَازَل للمُهاجر عنْ ماله وداره وعن إحدى زوْجَتَيْه. ثمّ جاءت أقْوال الشّارع مُؤكّدة لذَلك فقال الله تعالى”وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ ريحكُم”.

     وقالﷺ “الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ”[3] وقالﷺ: “مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى”[4] إلى غير ذلك من الأقْوال البَليغَة في هَذا البَاب.

     فنَشأ المسْلمون في الصّدْر الأوّل على هذا النّظام الُمحْكم مِن الموَدّة والمحَبّة فسَادُوا وشَادُوا وبلَغُوا الغايَة القُصْوى في العِزّ والشَّرَف ونُفُوذ الكَلمة.

     ثمّ أَخَذ دَاءُ الانْقسام يَظْهر بيْنهم فَتضعْضعت كَلمتُهم وتشتَّتَ شَمْلُهم وضَعف سُلْطانُهم، وبعْد أنْ كان الأَدْنى يَأْخذ بالذِمّة صَار أعْلاها لا ذِمّة له، و بعْد أنْ كانت الأمّةُ تتألّم لأَلم الفَرْد صَار الفرْد يسْخر مِن ألَم الأمّة، وهكذا أخذَ هَذا الدّاء ينْمو شيْئًا فشيْئا حتىّ استفْحل أمْره وصَار خطرًا منْ أكبْر الأخْطار التّي يعسُر عِلاجها.

    ولا نريد في هذا المقام أنْ نسْتشهد على ذلك بغير ما نحن عليه في بلادنا التّونسيّة، حتى لا ينطبق علينا قوله تعالى: “أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ”.

    إنّنا إذا نَظرْنا إلى حالتِنا في بلادنا نَجدُ أنّنا قدْ أحرَزْنا علَى أوْفر نَصيب منْ هذا الدّاء العُضال حتّى كاد يَكون كلُّ فرْد عَدُوّا لصاحبه، فمنْ تنَابَز بالألْقاب ومنْ تحكَّك علَى الأعْراض ومنْ تَراشَق بسِهام الشّتَائم والطّعْن ومِن اتّهامٍ بالخِيانة أوْ بالجُبْن أوْ بالتمَلّق إلى غيْر ذلك من أنْواع القدْح والطعْن في وقْت تُوجب عليْنا فيه الظّروف والحَوادِث وتَقَلُّبات الزّمان أنْ نَغضّ الطّرفَ عن النّقائص وأنْ نلْتمِسَ لبَعْضِنا الأعْذار وأنْ نجْتهدَ في تكْوين وَحْدة مُتراصّة الصُّفوف متسانِدة القُوى علَّنا نتقدّم بعض خُطُوات إلى الأمام ونسْترجع مَجْدًا ضَاع مع الأيّام، فكأنَّنا لم نكْتف بمَا أصابَنا بل أردْنا أن نكون عوْنًا للأيّام على أنْفُسنا وآلةً نقْضي بها على أرْواحنا فضَاعَت بسبب ذلك أعْمالٌ نافعة، ومجْهودات صالحة وتلاشَت نتائج كدْنا نَقْضي عليْها بأيْدينا ولاَ أرَى منَ اليَسير ما دُمنا على هاته الحَالة أنَّه يمْكننا أنْ نَتقدَّم ولَو خُطوة واحدة إلى الأمام.

     وإنَّك ليبْلُغ بك العجَب إلى أقْصاه عنْدما ترى هذا الخُلُقَ الذّميمَ متفشّيًا بيْن المعْدودين في صفّ العُقلاء والمَرْمُوقين بعيْن الاعتبار فيقْوى عنْد ذلك يأْسُك منْ حُصول الشّفاء واقْتلاع بُذور هذا الدّاء فنحْن إذا أردْنا أنْ نحْتفل حَقيقةً بذكْرى الموْلد وجَبَ عليْنا أنْ نُحاسب أنْفسَنا على مِقْدار ما نحْن عليْه منَ الاهْتداء بهدْي هَذا الرّسُول العظيم ﷺ، إذْ إقامة الاحتفالات الصوريّة والتفنّن في المظاهر التيّ لا رُوح لها شَيء لا مَعْنى لَه.

    وإنّ رَسُول الله ﷺ لَيَسرُّه ابتعادنا عنْ خُلُق واحد ذَميم مِن الأخْلاق التّي نَهانا عنْها أكْثر من سُرورِه بألْف احتِفَال نُقِيمه لذِكْرى مَوْلده معَ التّلبُّس بما نَهانا عنْه.

    وعليْه فَالعِبْرة التّي يَجب أنْ يسْتفيدَها المسْلمُون منْ ذكْرى الرَّسول الأعظم ﷺ هي الاجْتهاد في السّيْر عَلى مِنْوال ما شرَعَه لهُم مِنَ الأحْكام ومَا سَنَّه لَهُم مِن الأخْلاق إذْ تِلْك هي فَائِدة الذّكْريات وَ إقَامة الاحْتفالات، وإلاّ فإنّها تَكُون شَبَحًا بدون رُوح وجسْمًا بدون قلْب، والله ينْظُر إلى القُلوب لاَ إلى الصُّور وفي ذلك عبْرة بالِغَة لمنْ ألْقَى السّمْع واعْتبر.

بقلم فضيلة الشيخ المختار بن محمود

المجلة الزيتونية

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...