موقع اسلامي يهدم لنشر قيم الاعتدال والسماحة والوسطية والتعريف بعلماء تونس وموروثهم العلمي

علماء الزيتونة والدولة الإسلامية (1)

0

علماء الزيتونة والدولة الإسلامية (1)

الكاتب: ياسين بن علي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

مقدّمة:

أثارت الصحوة الإسلامية في تونس جملة من القضايا كانت من قبل معدودة ضمن المحرّمات، ومنها مسألة الدولة الإسلامية، وفصل الدين عن الدولة، وتطبيق الشريعة. وإذا نظرنا إلى الرأي العام المسيطر على الشارع التونسي، وجدنا ميلا لدى أغلب الناس إلى تحكيم الشريعة باعتبار الإسلام منهج حياة يشمل من الأحكام ما يكفي لمعالجة مسائل الاقتصاد والاجتماع والسياسة والحكم وغير ذلك. فأغلب الناس ينظرون إلى الإسلام كدين ودولة، وعقيدة ينبثق عنها نظام. ولمقاومة هذا الصحوة الإسلامية التي سيّست الإسلام، انبرى جمع من الناس في تفنيد هذه الرؤية بزعمهم أن الدعوة إلى دولة إسلامية تحكّم الشرع دعوة دخيلة على المجتمع التونسي، وأنها نتاج حركة أصولية متطرّفة تخالف عاداتنا وتقاليدنا، وتضادد خصوصيات تونس الوسطية المعتدلة التي عبّرت عنها الزيتونة من خلال أعلامها وشيوخها. والمعنى، أنّ الزيتونة عند هؤلاء تمثّل الإسلام الوسطي المعتدل الذي لم يسيّس الإسلام، ولم يتحدّث عن خلافة، ولم يتطرّف في دعواه إقامة دولة إسلامية تطبّق شرع الله. هذا زعمهم، وسأثبت لك هنا بطلانه من خلال أقوال علماء الزيتونة في اللائكية (العلمانية)، وتطبيق الشريعة، والدولة الإسلامية. وإليك البيان:

[box type=”info”]اتفاق علماء الإسلام ومنهم علماء الزيتونة على أنّ مرجعية الدستور الكتاب والسنة[/box]

– نشرت المجلّة الزيتونية (م9ج2 لسنة 1955م) محضرا هاما عنوانه: “اجتماع كبار علماء الإسلام في مكة لتقرير ما يلزم اتخاذه لإصلاح الشعوب الإسلامية”، ومما جاء فيه: “قصد صباح يوم 2 ذي الحجة الحرام عام 1373 أصحاب الفضيلة والسماحة الشيخ محمد العزيز جعيط شيخ الإسلام المالكي بتونس، والشيخ حسنين محمد مخلوف مفتي الديار المصرية السابق وعضو جماعة كبار العلماء، والشيخ محمد الشاذلي ابن القاضي الأستاذ بجامع الزيتونة إلى دار صاحب السماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ المفتي الأكبر للمملكة العربية السعودية لزيارته وتوثيق عرى المودة… ومما اتفقت عليه الكلمة في هذا الاجتماع أنّ الأساس الأول الذي يجب أن يكون دستور الحكومات الإسلامية عامة ومرجعها في مختلف الشؤون هو كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فبهما وحدهما النجاة من الشرور والفوز بالخير، وفيهما ما يكفل سعادة الفرد والأمة. ففيهما أصول الحكم العادل لمن شاء أن يستقيم وقواعد السياسة الراشدة والمعاملات المالية السليمة من جراثيم الربا الفتاكة والفساد الذريع. وفيهما أسس الفضائل الاجتماعية وحقوق الفرد والجامعة والواجبات على كل منهما”.

– وجاء في المجلة الزيتونية (م9ج8 لسنة 1955م، ص516) لائحة سياسية ذكر فيها ما يلي: “إن المؤتمر القومي الزيتوني الثالث المنعقد بالحي الزيتوني في ربيع الأول أيام 15/16/17 وفي 1/2/3 نوفمبر 1375-1955 يمجّد كفاح الشعب التونسي ويفخر بتضحيات أبنائه في سبيل الوطن ويترحم بخشوع على الذين سقطوا في الميدان وهم يشقون الطريق من أجل سيادة الشعب واستقلاله ويطالب بأن يكون الدستور المستقبل للبلاد إسلاميا لدولة إسلامية“.

[box type=”info”]موقف علماء الزيتونة من اللائكية والدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة[/box]

 

  • رأي الشيخ محمد العزيز جعيّط (ت1970م)

– نشرت المجلة الزيتونية (م9ج6 لسنة 1955م) خطبة منبرية للشيخ محمد العزيز جعيّط ألقاها بجامع الحلق، ومما ورد فيه قوله رحمه الله: “فبالدين فتح سلفنا الصالح الأمصار وتركوا خالد الآثار. وأسسوا الدول العظام في غابر الأعصار. وبمخالفة الدين باعوا القوة بالضعف والعزة بالصغار. وصاروا أذلاء في عقر دارهم فهيمن عليهم أهل الكفر ويولونهم أشدّ الاحتقار. ويفتنونهم في دينهم بأنواع من الخدع والمكر العظيم الأخطار. فأوهموهم أن الحرية العظيمة الأنصار. المحبوبة إلى النفوس الكبار. لا تتحقّق إلا بانطلاق من قيود الدين في الأقوال والأعمال والأفكار. ولقنوا النشأ هذه العقيدة المغطاة بأستار. وأطلقوا على ذلك اسم اللائكية الكثيرة الأوزار. فنشأ ما تشاهدونه في هذا الجيل من أنواع الاستهتار. والتجاهر بالفواحش الكبار، كشرب الخمر وتعاطي القمار، ومعاشرة النساء لقضاء الأوطار، من غير عقد شرعي يذود العار.فتنبهوا رحمكم الله إلى أنّ اللائكية تخالف الدين في الإيراد والإصدار. ولا تغتروا بمن يلبّس عليكم أمر دينكم ويدّعي أنها لا تخالف الدين إذا عرضت على محك الاختبار. فإن ذلكم من زور القول وكذب الأخبار“.

– ونشرت المجلة الزيتونية (م9ج1 لسنة 1955م) مقالا للشيخ بعنوان: “الإسلام دين ودولة وقومية”، ومما جاء فيه قوله رحمه الله: “الدين الإسلامي رحب الساحة ممتد الأطراف لا ينحصر في نطاق الاعتقادات والعبادات بل يتناول بنظره ما يحتاج إليه الفرد والجماعة والدولة من النظم والقوانين. ويتعيّن على الأمة الإسلامية أن تكون نظمها على تعدد أنواعها مستمدة من دينها منضوية تحت لوائه غير خارجة عما عيّنه وأصّله… فجميع ما ثبت بالكتاب أو السنة مما يتعلق بالنظم والأحكام على تعدد أنواعها لا يسوغ للمسلم بحال أن يثور عليه وينبذ طاعته بله مناهضته والسعي في تعويضه بقوانين لا تساير أصوله ولا تشايع قواعده… والدين الإسلامي وإن أوجب على الشعوب الإسلامية إقامة حكومة تحمي حماها وتذود عنها يد الاعتداء وتحفظ مصالحها وتوجهها التوجيه الحسن وتسهر عما يكفل تقدمها ورقيها في الميدان العلمي والاقتصادي والاجتماعي كما يدل عليه حديث “من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية“، وأوجب على الشعوب الإسلامية طاعة حكوماتها والانقياد إليها والدفاع عنها، لكنه لم يطلق العنان للحكومة في التصرف كيف شاءت وعلى حسب هواها بل أوجب أن يكون تصرفها جاريا على الأوضاع الدينية لتتسنى طاعتها… ومما يزيد ما تقدّم إيضاحا أنّ المسلم إذا لم يبح له الخروج عن سلطان الدين، ويعدّ امتناعه من قبول سلطة الدين عليه بالأمر والنهي موجبا لخروجه عن حظيرة الإسلام ولفصله عن أمسّ الناس به صلة وأقواهم به رابطة من المسلمين فلا يرث مسلما ولا يرثه مسلم ولا يدفن في مقابر المسلمين وتبين منه زوجته، فكيف يقبل أن تكون الحكومة غير خاضعة لسلطان الدين وهل الحكومة إلا مجموع الأفراد؟ وكيف يمكن أن يعتني الدين بالعباد منفردين فيأمرهم وينهاهم ويحتم عليهم الخضوع لأوامره ونواهيه ويهمل أمورهم في شكل الدولة مع أنها أهمّ؟ وما الفرق بين حكومة لا تتقيد بأوامر الدين ونواهيه وبين حكومة أجنبية لا تدين بالدين الإسلامي؟…”.

– ونشرت المجلة الزيتونية (م9ج4 لسنة 1955م) مقالا للشيخ بعنوان: “الشورى والإسلام”، ومما جاء فيه قوله رحمه الله مبيّنا ما يستشار فيه، وهو: “كلّ ما يرجى منه خير للصالح العام سواء أكان اقتصاديا أو اجتماعيا أو قضائيا مما لم يرد فيه نص شرعي بالنفي أو الإثبات. فأما ما فصّل فيه الشارع القول فإنّه لا يصحّ تجاوزه وتعدّي حدوده، وهذا معنى قوله يستشيرون أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره. فمثل كون الدولة الإسلامية تؤسس نظمها على مبادي الدين الإسلامي لا يصحّ أن يكون مجالا للبحث والاستشارة، ويذكر ذلك في الدساتير الإسلامية كقاعدة كلّية يرجع إليها عند النظر في الجزئيات…”.

– ونشرت المجلة الزيتونية (م9ج4 لسنة 1955م، ص219) خطابا ألقاه الشيخ أمام الملك محمد الأمين الأول يوم عيد الأضحى المبارك أنكر فيه على من تحدثه نفسه إمكان قيام دستور لائكي في تونس، ومما جاء فيه قوله رحمه الله: “وبما أننا أمة إسلامية تفخر بدينها وتعتز بانتسابها إليه. وتعتقد أن سعادتها رهينة التمسك بتعاليمه ومباديه. فإنا نعلن عن إنكارنا ومقاومتنا لإقحام اللائكية فيما عسى أن يحدث من نظم لهذا البلد الذي خلقنا من تربته وطبعنا على محبته وأخلصنا لله في خدمته. ونسجل أمام هذا الجمع الرهيبأن إهمال التنصيص في دستوره على أن حكومته إسلامية تدين بالإسلام، بله التسجيل بأنها لائكية النظام، باعث قوي على التفرق والانقسام، وقطع حبل الوئام، ومثير لفتنة مشتعلة شديدة الاضطرام لا يعلم غايتها إلا الملك العلام، زيادة عن كونه سبة يسم هذا البلد بطابع معرة لا يمحوها كرّ الليالي والأيام… وهل من شكر نعمة الاستقلال تنكرنا لديننا الذي هو مقوم ذاتنا، وحافظ حياتنا. فليحذر المسئولون من مغبة الاندفاع في تيار التقليد، ولنذكر جميعا أنه يهون على المسلم أن تصاب نفسه ويسلم له دينه المجيد”.

  • رأي الشيخ محمد المختار بن محمود (ت1973م)

– نشرت المجلة الزيتونية (م1ج10 لسنة 1937م) مقالا للشيخ محمد المختار بن محمود رحمه الله بعنوان “حكم الله في التجنيس”، ومما جاء فيه قوله: “يكون الإنسان مسلما يعمل بالإسلام، ويهتدي بهديه ويأتمر بما جاء به، فيتعلق غرضه بالانسلاخ عن الجنسية الإسلامية -والعياذ بالله- لغرض أدبي سافل أو مادي زائل، فيعتنق جنسية دولة من الدول الأجنبية التي تدين بالمسيحية وتعمل بالقوانين الوضعية، فيصير معتبرا كفرد من أفرادها، ويلتزم في (عقدة التجنيس) بالانسلاخ عن أحكام الشريعة الإسلامية وعن العمل بمقتضاها، ويلتزم في مقابلة ذلك بالعمل بقوانين تلك الدولة التي تجنس بجنسيتها سواء في أحواله الشخصية أو في المعاملات أو في العقود والالتزامات أو في جميع الجزئيات، فيكون بذلك قد نبذ الإسلام وانسلخ عنه، ودخل في الكفر راضيا مختارا. ويترتب على ذلك تغيير في أحواله من جميع النواحي، يطلق امرأتهفيكون طلاقه غير نافذ ويجبر قانونا على البقاء معها والإنفاق عليها، ويموت فتقسم تركته على غير الفريضة الشرعية، ويصير مجبورا على التحاكم إلى غير قضاة الشرع، وقبل أن يمضي على عقدة التجنيس يكون عالما بجميع ذلك مطلعا عليه… ولقد بيّنا فيما سبق صورة التجنيس وما يشتمل عليه من الالتزام بنبذ العمل بالشرع والتقاضي لدى غير قضاة الشرع، والامتناع من التحاكم لديهم. وبعض ذلك موجب للارتداد فضلا عن جميعه، فحكم الله في المتجنس أنه مرتد، يعامل معاملة المرتدين وتنطبق عليه جميع أحكامهم. وذلك لأن حقيقة المرتد هو الراجع عن دين الإسلام كما عرفه في فتح القدير, والرجوع عنالإسلام يكون بأمور كثيرة ضبطها في الفتاوى البزازية وفي الفتاوى الهندية في تسعة أنواع، وفرعا على كل نوع منها فروعا كثيرة. ومن تتبع كتب الفقه وأمعن فيها النظر وقف على عدة فروع تدل على كون المتجنس مرتدا. والمجال لا يتسع لنقل جميع ما وقفا عليه من الفروع فنقتصر منها على ما هو صريح في هذا الباب. الفرع الأول :قال في الخيرية: سئل عن رجل قال لا أعمل بالشرع وإنما اعمل بدعائم العرب. فأجاب بأنه إذا قال ذلك لاعتقاد عدم حقية الشرع أو استخفافا فلا ريب في كفره بإجماع المسلمين اهـ (صفحة 106 طبع بولاق من باب المرتدين) ومعلوم أن المتجنس لا يعمل بالشرع وإذا لم يكن يعتقد عدم حقيته فعلى الأقل يحكم عليه بأنه مستخف به وإلا لما استبدله بغيره…”.

– ونشرت المجلة الزيتونية (م1ج3 لسنة 1936م) مقالا للشيخ رحمه الله بعنوان: “أشدّ الناس ضررا على الدين أعداؤه الذين يعملون ضده وهم ينتسبون إليه”، ومما ورد فيه قوله: “… العاملون على إفساد الدين قد اختلفت مشاربهم واشتبهت حالاتهم، ولقد تتبعت أثارهم واستقصيت أنباءهم وأخبارهم، فوجدتهم على ثلاثة أصناف: الصنف الأول، من يتجاهرون بالعبث بالدين وتعاليمه، فتراهم يزدرون بمقررات الشريعة وقواعدها وأحكامها، ويتظاهرون بالانتقاد عليها. يعمد الواحد منهم إلى حكم صريح من أحكام القرآن فيطعن فيه، ويقول: هو تشريع منظور فيه إلى زمن خاص كان يتناسب مع وقت نزوله، أما الآن فلا يمكن أن يعمل به كأن يقول: إن مشروعية جعل حظ الذكر ما للأنثيين في الميراث إنما يصلح العمل به عندما كانت الأنثى غير مطالبة بأن تقوم بشيء من تكاليف الحياة، أما الآن ونحن نريد أن يكون لها من التكاليف مثل ما للرجل فينبغي أن نسوي بينهما في الميراث. وهذا الصنف مشرك بالله ورسوله. الصنف الثاني، من يتظاهرون بالتدين والتعصب للدين ولكنهم يضمرون له شرا، فإذا أراد الواحد منهم أنيقوم بدعاية ابتدأ دعايته بالانتصار للدين والدفاع عنه حتى إذا استوثق منك أنك ألنت له جانبك وأطمأن إليه قلبك، أخذ يقول لك: هذا الحكم لا ينبغي إبقاؤه على ما هو عليه، أو لا ينبغي أن نصرح به أمام غيرنا من الأمم الراقية حتى لا نكون سخرية عندها. وهكذا يأخذ في هدم ما لا يوافق هواه من أحكام الإسلام. يعرض عليك مثلا مسألة الربا فيقول لك: إن نظام الحياة الحاضرة متوقف على التعامل بالربا وعليه فما جاء من النصوص في تحريمه منظور فيه إلى ظروف خاصة كانت تقتضيه أما الآن فلا…وهذا الصنف أخطر من الذي قبله… الصنف الثالث، من يعملون لتعطيل شعائر الدين متظاهرين بمقاومة البدع المحدثة فيه…”.

أقول: رحم الله الشيخ، فكأنه يتحدّث عن زمننا هذا وأصناف الناس في مجتمعنا.

– ونشرت المجلة الزيتونية (م1ج8 لسنة 1937م) مقالا للشيخ رحمه الله عبّر فيه عن حزنه الشديد لما آلت إليه أوضاع المسلمين من ضعف بعد تفرّقهم وضياع دولتهم، دولة الخلافة. ومما جاء في المقال الذي نشر بعنوان: “سيف الإسلام يعطى لحامي الإسلام”، قوله: “مهلا أيها المسلمون إنّ الإسلام اليوم لا سيف له – نقول هذا والأسف يغمرنا من كل جانب- إذ لو كان للإسلام سيف لكان له من القوة والعزّة ما يكون حافظا له عن أن يقع في أيدي من لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة… فيا لله لهذا الإسلام الذي وصل به ضعف بنيه وتغلب الغير عليهم إلى أن يعبث به إلى هذا الحد. أين المؤسس الأعظم لهذه الشريعة صلى الله عليه وسلم؟ أين خلفاؤه الراشدون؟ أين الخلفاء من بني أمية وبني العباس في المشرق والمغرب؟ أين ملوك الإسلام على اختلاف العصور والأزمان؟ أينكم يا خلفاء بني عثمان، يا من رفعتم شأن الإسلام قرونا متطاولة ودافعتم عنه بأموالكم وجنودكم وكنتم في صراع متواصل ونزاع لا ينقطع مع دول تألبت عليكم وأحكمت وضع البرامج لمحق اسمكم من الوجود، فكنتم متغلبين حينا ومغلوبين أحيانا، ثم جاء رجل من صغار جندكم وأتباعكم تربى في نعمائكم [يقصد كمال أتاتورك] وارتفع ذكره تحت لوائكم، فشفى صدور أعدائكم ونكل بكم أشد تنكيل، وأنكر جميلكم وطمس مآثركم وشتت شملكم وشرد خليفتكم وخلفكم في أنحاء الأرض، فانهار بذلك آخر معقل من معاقل الإسلام، واندك آخر حصن من حصونه، واضمحلت تلك القوة المعنوية وذلك الإجلال الإلهي العظيم الذي كان يحسّ به كلّ مسلم، وكان يتجدد ذكره في كل يوم جمعة عندما تضجّ جوامع المسلمين بدعاء الأيمة للخليفة الأعظم. أين هؤلاء جميعا؟

أتى على الكل أمر لا مردّ له … حتى قضوا فكان القوم ما كانوا

وصار ما كان من ملك ومن ملك … كما حكى عن خيال الطيف وسنان

فجائع الدهر أنواع منوعة … وللزمان مسرات وأحزان

وللحوادث سلوان يسهلها … وما لما حلّ بالإسلام سلوان

اللهم لا حامي للإسلام إلا أنت تباركت قدرتك وجلّت عظمتك… إن للإسلام ربا يحميه. وأبناء لو عملوا بما وضعه لهم الإسلام من قواعد، وما سنه لهم من شرائع، ولو دخل الإسلام في قلوبهم حقيقة وتغلغل في ضمائرهم، لبقيت للإسلام صولته ومهابته، ولبقي اسمه تخرّ له الجبابرة وتهتزّ عند ذكره القياصرة، ولكنهم فرطوا في جميع ما جاء به الإسلام من قواعد لتنظيم الحياة…”.

يتبع إن شاء الله تعالى…

09 جمادى الأولى 1433هـ

المصدر: مجلة الزيتونة

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...
%d مدونون معجبون بهذه: