موقع اسلامي يهدم لنشر قيم الاعتدال والسماحة والوسطية والتعريف بعلماء تونس وموروثهم العلمي

فتح الزيتونة خيبة أمل… نتمنى ألا يكون الأمر جزءاً ثانياً من غزوة المنقالة!

0

بقلم حامد الماطري

صباح السبت، لم أشأ أن أضيع فرصة حضور مثل هذا الحدث التاريخي، فتح منارة العلم بجامع الزيتونة بعد عقود من الصمت و القيود. عقود فعلت ما فعلت في فكر التونسيين و تركت الشباب ممن اختار سبيل التدين لا يجد غير قنوات الجهل يتتلمذ على حصصها و مشايخها، و كتب الجهل الصفراء تزوده بقراءة مظلمة رجعية عن دين كان أول عناوين الحداثة في سياق التاريخ الإنساني.

يقول من عمل على إغلاق الزيتونة بعيد الإستقلال أنهم أرادوها فرصة لإرساء دعائم تعليم عصري في البلاد التونسية. و لإن كانت الغاية سامية فإن الأمر كان حافلا بالمغالطات: ألا يستقيم نظام إلا بإلغاء آخر؟ هل استوجب تعصير المناهج العلمية المقدمة القضاء على المنابر العلمية الأخرى؟ ألم يكن الأمر غير صراع أيديولوجي بحت و محاولات لتجفيف ينابيع فكر مختلف بذرائع “تقدمية”؟ أليس هذا ضرباً من ضروب التطرف؟

كيف إذاً و الجريمة هنا كانت قد امتدت إلى صرح تاريخي مثل جامع الزيتونة، موغل في القدم و مبهر في الإشعاع، كيف و الزيتونة التي أغلقت بعيد الإستقلال هي ذات الزيتونة التي لم يلبث أن تخرج منها فكر متقد مستنير كالطاهر الحداد أو نوابغ كآل بن عاشور الطاهر و الفاضل أو العلماء من آل النيفر. هل إستكثر علينا هؤلاء أن يكون لنا منارة علمية يسطع نورها منذ ثلاثة عشر قرنا، تذكر التونسيين أنهم ليسوا منبتين، أنهم أكثر من أن يكونوا مجرد “غبار من أفراد” تعاني الجوع و القمل و الجهل… تقول لهم أن على هذه الأرض ما يستجلب الفخر و أن ما يقوله زعماء اليوم ليس صحيحاً، أنهم ليسوا الإستثناء بقدر ما أن نبوغهم هو إثبات للقاعدة، أنهم قد يكونون أفذاذاً ولكن هذا الشعب لم ينقطع يوماً عن إنجاب الأفذاذ، من أهل العلم أو الأدب أو السياسة…

كان الخيار المتبع كارثياً بكل المقاييس، و ما تفشي التعصب الديني المقرون بسطحية الفكر و المنطق إلا نتاجٌ طبيعيٌ للفراغ الذي تركته منابر التعليم الزيتوني. أول الضحايا كان الشباب الذي عايش سقوط الأيديولوجيات فصار متعطشاً إلى تكوين فكري بمرجعية مختلفة، و لما طلب أن تكون دينية روحانية، لم يجد تلك الأرضية الثابتة التي تستقبله، وجد منظومة ثقافية مسقطة و غير مترابطة أغرقته بين التفسخ الثقافي و الإجتماعي من جهة، و البحث عن الذات و الغوص في مسائل الهوية من جهة أخرى… في النهاية صار المجتمع التونسي يفرخ الإرهابيين بعد أن كان ولاداً للعلماء، شباب لم يجد أمامه من قدوة فراح يستلهم من روح الخميني ثم بن لادن و الزرقاوي!!

قد يكون بورقيبة و رفاقه قد أعطوا الكثير لتونس الفتية و أسهموا في بناء الدولة الحديثة، لكن غلق الزيتونة، إلى جانب عدد آخر من القرارات، أدى إلى العبث في القيم المجتمعية التونسية. و إن تحقق بعض من النجاحات فقد تولد عدد آخر من الأمراض الإجتماعية التي نعايشها اليوم كضعف الرصيد القيمي عند المواطن التونسي و استفحال ثقافة الإستهلاك مقابل العزوف عن كل ما هو غير مادي من ثقافة أو أدب أو حس أو نشاط مدني.

أطلت في مقدمتي حتى أبرز كم هي كبيرة الآمال و كم هي غزيرة المشاعر التي أقترنت بخبر إعادة فتح جامع الزيتونة للتعليم. وعلى قدر سعة الآمال يكون وقع الخيبة! كان حقاً صباحا زاخراً بالأحاسيس المفعمة التي أدمعت أكثر من عين، و لكن بعض الملابسات و الأحداث أفسدت جزءاً من هذا الحفل البهي ووضعت أمام الحضور أكثر من سؤال:

1. بعد “طلع البدر علينا” ها هو الغنوشي “رضي الله عنه” ولن أزيد على ذلك و ان كنت غير قادر على إخفاء أسفي و خيبة أملي…

2. صدمني أن أشهد عراكا و مشاحنات في صحن الجامع الأعظم ثم بداخله. مشادات بين جماعات من الحاضرين اختلط فيها التكفير بالتكبير (و بالتنبير أيضا من قبل البعض الآخر) و سمعناهم يتراشقون بعبارات من نوع “يا فاسق”، “يا كافر”… غريب أن جميعهم يدعي العلم بالدين ثم ينسى أن آداب المساجد تمنع رفع الصوت في أرجائه و تنهى بشدة عن الجدال فما بالك بالعراك!

3. لم أكن الوحيد الذي لحظ الغياب “الغريب المريب” لكثير من شيوخ الزيتونة، أصحاب الدرجات العلمية الزيتونية (التحصيل و العالمية) ممن لا يزال على قيد الحياة، علماء أجلاء هم الأولى بالتقديم و التبجيل في مثل هذه المناسبة. استعلمت عن الأمر و تأكدت أن أحداً لم يستدعهم و إن كان عدد منهم أعضاء بالمجلس الإسلامي الأعلى و أئمة معروفون.

4. إذا تألق الزيتونيون بغيابهم، كان في المقابل حضور السياسيين مكثفاً حتى لا نقول مبالغاً فيه. فبالإضافة إلى “الحضور الرسمي” و الذي هيمن عليه بالطبع الوزراء النهضاويون، و بالإضافة إلى الشيخ راشد الغنوشي الذي كان من الواضح أنه “صاحب الحفل”، كان ملفتاً حضور مسؤولو حزب التحرير و السلفية و تواجدهم في الصف الأول، أي على يمين و يسار شيخ الجامع. لفت انتباهي ما قاله الشيخ البشير بن حسن الذي اعترف في معرض مداخلته أنها المرة الأولى التي يدخل فيها الجامع الأعظم بالزيتونة!

5. مداخلة “رضا بلحاج” منسق حزب التحرير كانت حماسية و لكن خارجة عن السياق في معظمها، و تميزت بحديث الخلافة الذي لاقى استحسانا لدى أنصاره المتجمعين بالعشرات داخل الجامع و الذين عبروا عن ذلك بموجات من التكبير و صيحات اعلاء راية الخلافة.

6. في المداخلة الرابعة، أعطيت الكلمة ل… سفير دولة قطر! بدون تعليق!

7. غياب آخر “مريب”، غياب التلفزات التونسية بمختلف أنواعها، قد يكونوا لم يروا في الحدث ما يستدعي التغطية المباشرة..

8. من بين الضيوف كان حضور المستشار الأول لشيخ الأزهر، ممثلاً عن الصرح العلمي المصري، الأكثر دلالة. للأسف انسحب الشيخ المصري مغادراً الجامع مباشرةً إثر مداخلة منسق حزب التحرير الذي لم يحترم اللياقة ولا قواعد الضيافة فتهجم على مشايخ الأزهر و إتهمهم بأنهم كانوا علماء سلطان و أنهم خدموا مبارك!!

9. يتواصل “سيرك” التهجم على المتدخلين، و أحسب الشيخ عبد الفتاح مورو أحد الذين تعودوا على ذلك. فعندما هم بإلقاء كلمة كانت الأخيرة، علا صوت جمع من السلفيين (ممن اهتزوا لحديث الخلافة آنفاً) و حاولوا منعه من الحديث. و إن أصر على المواصلة فقد عاد الجدال ليحتدم مباشرة مع انتهاء هذه الكلمة و عاد التدافع و عادت الأصوات لتتعالى في محراب الجامع بالذات. على الأقل –وحمداً لله- لم يصل الأمر هذه المرة إلى استعمال الكلام البذيء!

خلاصة القول، لا شك في أننا جميعنا مع العلم، و لا نملك إلا أن نصفق فرحاً مع كل منبر علم يفتتح. فما بالك و الأمر هنا يتعلق بصرح وطني هو مدرسة مرموقة في العلوم الإسلامية، قادر على استدرار المعاني السامية و القيم الإنسانية النبيلة و الرائدة التي يزخر بها ديننا الحنيف. ذاك الإسلام الذي ارتقى بالفكر الإنساني و بجل العلماء و احترم البشر و عزيمته حتى قال فيه: “لو تعلقت همة ابن آدم بما وراء العرش لناله”. الإسلام الذي حرر المرأة و أنصفها حقوقها الزوجية و الإجتماعية، الإسلام الذي أوصى كثيرا بالعلم و التعلم، و الإسلام الذي أنبأنا أن العقيدة كتاب و أن العبادات كتاب و أن الأخلاق و الآداب كتب عديدة.

لقد أدرك علماء الزيتونة هذا و عملوا قروناً على خدمة الرسالة المحمدية و نشر معانيها الوسطية السمحة الرشيدة. كل ما نتمناه اليوم هو أن نكون مخطئين و ألا يكون “فتح الزيتونة” مجرد لعب على الرموز (مثلما فعل بن علي ذات يوم لما انتدب حزب الدستور لنفسه ثم جعل منه مسخاً لا يمت لقيم حزب الإستقلال بصلة) فيصبح منبراً لنشر الفكر السلفي المتكلس و المدعوم من إمارات الخليج الوهابية، مجرد حلقةٌ ثانية من مسلسل “غزوة المنقالة” رديء الإخراج!

 

المصدر: باب نات

 

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...
%d مدونون معجبون بهذه: