موقع اسلامي يهدم لنشر قيم الاعتدال والسماحة والوسطية والتعريف بعلماء تونس وموروثهم العلمي

قيمة العدل في الإسلام

0

على هامش البرنامج التلفزي حديث الجمعة بالوطنية واحد:
قيمة العدل في الإسلام
موضوع العدل هو أحد الاستحقاقات التي قامت عليها الثورة التونسية وهو مطلب أساسي كانت تنادي به المعارضة قبل الإطاحة بنظام بن علي وهو كذلك قضية محورية في راهن الثورة والشعب التونسي يستعد لبناء الدولة التونسية الجديدة والجمهورية الثانية. وقد ظل مطلب العدل الهاجس الذي سجل حضوره بقوة في كل التجاذبات السياسية والاجتماعية. فكل القضايا التي تثار اليوم لها ارتباط وثيق بمفهوم العدل سواء كان ذلك في ممارسة الحكم أو في تحقيق التنمية وتنفيذ كل الحاجيات التي تطالب بها الجهات المحرومة أو في إصلاح مرفق القضاء وتطبيق العدل في كل الخصومات التي تفصل فيها المحاكم.
واعتبارا لأهمية قيمة العدل في راهن الثورة وما يمثله من أهمية في بناء دولة ديمقراطية تصان فيها الحريات وتحترم فيها الحقوق، و إيمانا بالمكانة الكبرى التي يوليها الدين الإسلامي لنبدأ العدل في تحقيق المساواة بين الناس وإشاعة روح الطمأنينة بين الجميع بوجود محاكم وقضاء ومؤسسات وساسة وحكام هدفهم الأسمى هو أن يطبق العدل بين المواطنين وأن تؤسس دولة جديدة تقوم على الحق والعدل، فقد خصص البرنامج الديني ” حديث الجمعة ” الذي يبث على الوطنية واحد حصته ليوم 28 ديسمبر الجاري للحديث عن موضوع العدل في الإسلام واستضاف لهذا الموضوع الدكتور حمدة سعيد الأستاذ المتقاعد من جامعة الزيتونة المختص في علم أصول الفقه ومقاصد الشريعة وإمام خطيب بجامع السوق ببني خيار.
يعتبر الدكتور حمدة سعيد أن العدل هو أحد الخصائص الكبرى للدين الإسلامي وأحد الاستحقاقات التي قامت عليها الدعوة المحمدية وهو قيمة محورية في التصور الإسلامي تتجاوز كل الحدود والاعتبارات الذاتية والإنسانية وتنظم كل أوجه الحياة للأفراد والجماعات. وبالرجوع إلى النصوص الدينية نجد أن مفهوم العدل يتفرع إلى ثلاثة مسارات : الأول العدل مع الله في أن نفرده بالعبادة دون سواه. الثاني العدل مع النفس في أن يسلك بها المؤمن سبل نجاتها في الدنيا والآخرة. الثالث العدل مع الناس وبين الأفراد وهو ميدان واسع وله في الدين الإسلامي مداخل عدة منها العدل في القضاء والعدل بين الناس في أن توفر الدولة إجراءات متساوية لفض النزاعات فيما بينهم. ومن هذه النصوص الدينية المؤسسة لإرساء قضاء عادل لدولة عادلة قوله تعالى ” إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا ” النساء / 58. وقد فسر الرسول صلى الله عليه وسلم معنى العدل الوارد في هذه الآية حين أمر من يقضي بين الناس ” أن يسوي بين الخصمين في لحظه ولفظه فلا ينظر لواحد دون الآخر ” وفي رواية أخرى لأم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ” من ابتلى بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لحظه – عمل العين – وإشارته ومقعده ” فالرسول في هذه الأحاديث النبوية وغيرها يضع الأسس المتينة للقضاء العادل وذلك من خلال احترام بعض الشكليات قبل تطبيق القوانين. وهي شكليات ضرورية منها أن يسوي بين الخصوم في المعاملة. فهذا الحديث يدعو القاضي أن يجلس المتخاصمون في مكان لا يثير أي محاباة لأحد الخصوم على حساب الآخر وأن لا ينظر إلى أحد الخصوم بعطف ورقة وينظر للآخر بجفاء وقسوة. فالعدل يجب أن يكون حتى من خلال النظرة والألفاظ الموجهة من القاضي إلى الخصوم التي يجب أن تكون هي الأخرى خاضعة لمبدأ المساواة. وهذا التوجيه النبوي الذي أمر به سيد الخلق في إرساء قضاء عادل قد سار عليه الخلفاء الراشدون من بعده. من ذلك أن عليا بن أبي طالب قد جمعته مع أحد المسلمين خصومة غير أنه رد القاضي الذي سينظر في الخصومة وأمر بتغييره لأنه حينما دخل عليه قال له : يا أبا الحسن ولم يناديه باسمة. فقال علي كرم الله وجه : أنت لا تقضي بيني وبين خصمي لأنك كنيتني دون أن تكنيه “. فعلي بن أبي طالب قد اعتبر أن الكناية دليل على المودة والتعظيم وأن عدم مناداة القاضي للخصمين بنفس الصيغة هو دليل على ميل القاضي لأحد الخصوم على حساب الآخر مما يثير الشبهة في عدم نزاهته وعدله. ونفس التصور والفهم للقضاء العادل نجده عند عمر بن الخطاب الذي أرسل في خلافته كتابا إلى القاضي أبي موسى الأشعري قال له فيه : آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك ”
وكما يتجسد العدل في القضاء والحكم والسلطة فإن الإسلام يدعو ويطالب أن يعم العدل داخل البيت وفي الأسر وفي العلاقة بين الزوجين وهي قضية خطيرة يغفل عنها الكثير من المسلمين الذين لا يلتزمون العدل في البيت وفي المعاملة بين الأبناء. وغياب العدل في هذه المجالات قد يهدد الأسر بالاضمحلال وتفاقم المشاكل. من ذلك أن الزوج يجب أن يكون عادلا في معاملاته مع زوجه فلا يشعرها بعدم حاجته إليها أو أنها ليس لها قيمة عنده أو أنها شيء أو متاع من أمتعة البيت. كما أنه من غير العدل أن يحرمها حقها في المعاشرة الزوجية الطبيعية. وهذا فعلا ما سجله حديث أبي جحيفة وهب بن عبد الله رضي الله عنه قال : آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان الفارسي وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء مبتذلة – مهملة حالها – فقال لها : ما شأنك ؟ قالت أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما فقال له : كل فإني صائم. قال سلمان : ما أنا بآكل حتى تأكل. فأكل. فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم – أي للصلاة – فقال له : نم، فنام. فلما كان آخر الليل قال سلمان قم الآن فصليا جميعا، فقال له سلمان : إن لربك عليك حقا. وإن لنفسك عليك حقا. ولأهلك عليك حقا. فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : صدق سلمان ” أخرجه البخاري.
ومن مداخل العدل الأخرى المساواة في العطية بين الأبناء والعدل في النفقة والعطف بين الأولاد ومن النصوص الدينية المؤسسة للعدل بين الأولاد الحديث النبوي الذي يرويه النعمان بن البشير رضي الله عنه أن أباه أتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني نحلت هذا غلاما – أي وهبته عبدا كان عندي – فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل ولدك نحلته مثله ؟ فقال لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرجعه ” البخاري. وفي رواية ” فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم. قال فرجع فرد العطية ”
و من مداخل العدل الأخرى العدل في القول. ومن صور هذا النوع من العدل وجود صحافة مسؤولة ووجود المذيع والخطيب والكاتب الذي يصدع بالقول من دون تضخيم ولا تزييف ولا كذب أومغالطة. ومن أوضح النصوص الدينية التي تتحدث عن العدل في القول قوله تعالى ” وإذا قلتم فاعدلوا … ” الأنعام / 152. فالصحفيون مطلوب منهم أن يعدلوا في الصدق وفي نقل المعلومة. فالكلمة أمانة والنصح والإرشاد هما أمانة كذلك. فالإعلاميون مطلوب منهم أن يكون قولهم على العدل والحق. المطلوب إيصال الكلمة للقارئ صحيحة ونزيهة وسليمة دون تغيير ولا تهويل ولا تحريف.
كانت هذه بعض مداخل العدل في الإسلام وهي مداخل محورية في بناء دولة الحق والإنسان ودولة العدل والإنصاف وهو تصور عميق في إصلاح المجتمعات بدءا بالفرد مرورا بالأسر وانتهاء بالدولة. حاول الدكتور حمدة سعيد توضيحها للمشاهدين بكثير من التحليل العميق واعتمادا على عدة نصوص دينية من القرآن والسنة، وفق الدكتور في إخراجها من كتب التراث وتعريف الناس بها. وتبقى كلمة نوجهها إلى الساهرين على هذه الحصة الدينية التي شدت إليها الكثير من الناس هي أن يبرمجوا حصة أخرى لإعادتها وأن يختاروا وقتا أفضل من الوقت الذي تبث فيه حاليا كأن يكون في سهرة الجمعة عندما يكون أكثر الناس في بيوتهم وذلك تعميما للفائدة.

جريدة الصريح ليوم السبت 5 جانفي 2013

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...
%d مدونون معجبون بهذه: