كيف نشأ احتفال المولد في بلاد الاسلام – بقلم العلامة الشيخ الفاضل بن عاشور

0

إن ما يملأ قلوب المسلمين في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول كل عام من ناموس المحبة العلوي وما يهز نفوسهم من الفيض النوراني المتدفق جمالا وجلالا ليأتي إليهم محملا من ذكريات القرون الخالية بأريج طيب ينم عما كان لأسلافهم الكرام من العناية بذلك اليوم التاريخي الأعظم وما ابتكروا لإظهار التعلق به وإعلان تمجيده من مظاهر الاحتفالات فتتطلع النفوس إلى استقصاء خبر تلك الأيام الزهراء والليالي الغراء إذ المسلمون ملوكا وسوقة يتسابقون إلى الوفاء بالمستطاع من حقوق ذلك اليوم السعيد.
وإن في هذا الحديث العذب لسببا يمت إلى رحاب الفضل النبوي بخدمة من تشرفوا بخدمته والانتساب إليه وتخليد فضلهم بين معالم الدين نرجو الاستمساك به إذ نفضي إلى قراءنا في هذه الكلمة بما جمعنا من ذكر الاحتفالات المولدية في عصور التاريخ.
ولعل أقدم ما عرف من مظاهر الاحتفال بهذا اليوم ما كان يفعله أهل مكة من زيارة المحل الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم وكلام الشهاب القسطلاني في المواهب اللدنية على اجماله يفيد أن هذا وقع من أجيال يصح الاقتداء بفعلها وذكر ابن ظهيره في كتابه الجامع اللطيف أنه وجد هذه العادة في القرن العاشر يتوارثها الخلف عن السلف وبحث عن أوليتها فلم يظفر بها.
أما الاحتفال بهذه الذكرى الميمونة في غير مكة فأول ما ظهر بمصر أثناء القرن الخامس على عهد الخلفاء الفاطميين ولم يكن مولد النبي صلى الله عليه وسلم عندهم خاصا بالاحتفال بل كانوا يحتفلون معه بخمسة موالد أخرى هي مولد علي بن أبي طالب ومولد فاطمة ابنة رسول الله ومولد الحسن ومولد الحسين رضي الله عنهم ومولد الخليفة الذي متوليا كل في اليوم الموافق له من أيام السنة.
وكيفية ذلك الاحتفال على ما أورده القلقشندي والمقريزي أن يجلس الخليفة بالمنظرة التي فوق باب الذهب من القصر الكبير وهي أدنى مناظر القصر من الأرض ويكون قاضي القضاة وداعي الدعاة ومفتي الدولة والأشراف ومتولي دار العلم والخطباء والمتصدرون بجوامع القاهرة والقيمون على مشاهدها مجتمعين بالجامع الأزهر يختمون القرآن الكريم موزعا وعند انتهاء صلاة العصر يمنع مرور الناس في ما بين الجامع الأزهر والقصر الكبير ويقف والي القاهرة وصاحب بابها لتنظيم السير ومنع الازدحام ويركب من كان بالجامع الأزهر يتقدمهم قاضي القضاة نحو القصر الكبير حتى إذا لم يبقى لهم إلى الوصول إلى المنظرة إلا خطوات ترجلوا وتقدموا نحو المنظرة بإجلال وتشوق إلى رؤية وجه الخليفة فتفتح إحدى الطاقات المطلة من المنظرة ويبدو منها وجه الخليفة فتفتح طاقة أخرى فيبدو منها أحد الأستاذين مسلما على الحاضرين بيده مبلغا إياهم سلام أمير المؤمنين ويخصص بالذكر وجوه الحاضرين بنعوتهم المعتادة ثم يقف القراء وخطباء الجوامع الثلاث الكبرى تحت حائط المنظرة مستقبلين بوجوههم فيتداول الخطباء الخطابة والقراء خلال ذلك يقرؤون حتى إذا انتهوا أخرج الأستاذ يده من الطاقة مسلما ثم أغلقت الطاقتان وانفض الناس وتوزع في ذلك اليوم على الفقراء من النقود والطعام والحلوى مقادير ذات بال يقع توزيعها بالجامع الأزهر وجامع الفسفاط والقرافة كما يحمل إلى ديار الأعيان والمستخدمين من طرف الخليفة عدد وافر من صواني الحلويات حتى يكون ما ينفق في هذا الموسم الشريف بالغا مئات الدنانير وآلاف الدراهم ومئات الآلاف من أرطال الطعام.
وقد استمرت هذه العادة طول مدة الحكم الفاطمي بالديار المصرية حتى إذا أسقطت دولتهم أواسط القرن السادس كان هذا في جملة ما أبطلت الدولة الأيوبية من عوائدهم ومحت من آثارهم.
إلا أن سنة الاحتفال بالمولد النبوي لم تكد تنقطع من مصر في ظلمة القرن السادس حتى ظهرت بنواحي الموصل على صبح القرن السابع ظهورها البين إذ أصبح الاحتفال خاصا بالمولد النبوي لا كما كان يفعل الشيعة من إشراكه موالد آل البيت.
وأول ما بدئ ذلك بمدينة أربل بسعي ملكها ومعمرها الأمير الشاب الشهم المحسن المتفضل الملك المعظم أبي سعيد مظفر الدين كوكبوري بن زيد الدين كوجك علي المتوفى سنة 630 ودفين المشهد العلوي الشريف بالكوفة.
وقد بالغ رحمه الله في تعظيم الاحتفال بالمولد وتفخيمه حتى كان يهتز ما حول مدينته الموصل والعراق وبلاد الكرد والعجم فتفيض على مدينته بوفود الفقهاء والصوفية والوعاظ والقراء والشعراء فتقام الاحتفالات الشائقة التي قصر وصف الواصفين عن الإحاطة بها.
ويبدأ الاستعداد لتلك الاحتفالات وتقاطر الوفود لأجلها من أول محرم ولا تبتدئ الاحتفالات إلا اليوم الأول من ربيع الأول.
فمن يومئذ يعطل جميع الناس أعمالهم وتقام فيما بين قلعته وقصر الخانقاه قباب خشبية مزينة ذات طبقات في كل طبقة منها جوق من أرباب المغاني وأصحاب الخيال وسائر الملاهي وما يزال دأب الناس الدوران على تلك القباب وينزل السلطان كل يوم من قلعته بعد صلاة العصر فيشارك الناس في طوافهم ومرحهم ويستمر هذا ستة أيام أو عشرة بحسب اليوم الذي يقام فيه احتفال المولد تلك السنة لأنه كان يقيم الاحتفال في اليوم الثاني عشر عاما وفي اليوم الثامن عاما مراعاة للخلاف.

فإذا كان اليوم السادس أو العاشر ولم يبق للمولد إلا يومان جمعت قطعان كثيرة لا تحصى من الإبل والبقر والغنم وسيقت إلى الميدان الأكبر الذي بين القلعة والخانقاه محفوفة بالطبول وجوقات المغاني والملاهي فشرع في نحرها ونصبت القدور لطبخ الألوان المختلفة من الطعام ويستمر النحر والطبخ متواليا وفي ليلة المولد يصلي المغرب بالقلعة ثم يقيم بعد الصلاة مجلس إنشاد وذكر حافل ومنه يخرج في موكب بهيج تتقدمه مئات من الشموع العظمى موقدة فيخترق الميدان الأكبر حتى ينتهي إلى الخانقاه . وفي صباح يوم المولد يقيم بالميدان مجمعا حاشدا يضم الأعيان والرؤساء وعموم الناس من أهل بني بلده والوافدين عليه وينصب كرسي للوعاظ وموضع لجلوسه هو على شكل برج من الخشب ولكل من كرسي الوعاظ ومقام الملك شبابيك على الميدان ويكون جلوس العلماء والأعيان حول مجلسه وكرسي الوعظ . ثم يبدأ في عرض الجند بالميدان ويتخلل ذلك العرض قيام الوعاظ من كرسيهم بوعظ الناس والملك مشرف على عرض الجند مرة أخرى ومصغ إلى الوعاظ أخرى.
وفي أثناء ذلك ينادي الحاضرين من الرؤساء والأعيان والوافدين على بلده فيخلع عليهم حتى إذا كان قرب الزوال وفرغ من عرض الجند أقيم سماطان أحدهما بالميدان لعامة الناس وصعاليكهم والآخر بالخانقاه لمن كان مجلسه حول الكرسي ويقع الإرسال إلى دار من تعين لأن يرسل إليه من السماط ولا ينتهي السماط إلى قرب العصر . ويبيت تلك الليلة بالخانقاه ويقضيها ليلة سماع فاخر إلى الصباح إذ يتجهز الوافدون للسفر فيمد كل منهم بنفقة.
وقد نقل بن الجوزي عن بعض من حضر هذه الاحتفالات أنه كان ينفق عليها ثلاثمائة ألف دينار ، وقد كانت هذه الاحتفالات منشأ لتأليف الكتب الخاصة بأخبار المولد الشريف وتلاوتها في الاجتماع لذكرى المولد وذلك أنه في سنة 604 كان من جملة الوافدين على الملك مظفر الدين العلامة الرحالة الحافظي المحدث اللغوي أبو الخطاب مجد الدين عمر ابن الحسين ابن دحية البلسني الأندلسي الظاهري ثم الحنبلي المتوفى بالقاهرة سنة 633 فلما رأى عناية الملك بأمر المولد صنف له كتابا سماه التنوير بمولد السراج المنير وقرأه بمحضره في موكب يوم المولد على كرسي الوعظ وذيله بقصيدة مطلعها . لولا الوشاة وهم أعداؤنا وصموا. فجزاه بألف دينار واتخذت تلاوته عادة للملك فكان كثيرا ما يقرؤه بنفسه وسمعه منه القاضي أحمد بن خلكان وجرى على عمله الملوك فذاعت مجالس تلاوة المولد بالمشرق وكتب العلماء موالد كثيرة نسجا على منوال الحافظ ابن دحية وشاعت هذه العادة بالمغرب أواسط القرن السابع وكان أول من أدخلها أبو القاسم العزفي أمير سبتة من عام 648 إلى عام 688 وهو من بيت العلم والإمارة التي قال فيها أبو العباس المقري في أزهار الرياض بنو العزفي المشاهير الذين برزوا في ميدان السبق على الخواص والجماهير وحازوا رئاسة الدين والدنيا وفازوا بالمكانة السامية والمرتبة العليا .
وقد استحسن رواج هذه العادة بالمغرب شيوخ المذهب المالكي به ومنهم أبو موسى ابن الإمام ونقل الخطيب ابن مرزوق أن بعض العلماء أنكر ذلك إلا أنه استظهر قول ابن الإمام والجمهور وتقرر اتباع هذا الاستحسان عند طبقات العلماء بالمغرب وجرى ملوك المغرب والأندلس على الاعتناء بحفلة المولد فلم يكونوا يغفلوها .
وكان السبق في ذلك الميدان للاحتفال الباهر الذي يقيمه كل عام بمدينة تلمسان السلطان أبو جم موسى الزياني وكان ملكه ما بين 760 و 791 .
وكان الاحتفال يقام ليلة المولد بالمشور وهو ساحة القصر في استعمال أهل المغرب ويدعى إليه خاصة الناس وعامتهم فيكون المشور بالغا نهاية الأبهة وأكمل مظاهر الزينة مفروشا بالزرابي الفاخرة وعليها نمارق الجلد المغربي الرفيع قد حفتها الوسائد المغشى جلدها بالذهب وانبثت في أطراف المجلس الشموع العظيمة المزهرة ويجلس السلطان في صدر المجلس والناس حوله وهم في قرب منه على نسبة مراتبهم والخدمة في ثياب ملونة يطوفون عليهم بالمباخر والمرشات.
ويكون المنشدون قياما بين يدي السلطان يترنمون بالمديح النبوي والزهديات وأول ما يبتدئون بإنشاد قصيدة السلطان وكان ينظم كل عام قصيدة كما ينظم له الشعراء قصائد بتلك المناسبة تعرف عندهم بالميلاديات فمنها في بعض السنين قصيدة كاتبه أبي زكرياء ابن خلدون.
ما على صب في الهوى من جناح أن يرى حلف عبرة وافتضـاح
وفي بعضها موشح محمد ابن أبي جمعة التلالسي الذي عارض به ليل الهوى يقضان وطالعه:
لي مدمـع هاتان ينهل مثل الدرر
قد صير الأجفان ما إن لها من أثر
وقد ضمن جميع تلك القصائد الحافظ أبو عبد الله التونسي في كتابه الذي سماه راح الأرواح فيما قاله السلطان أبو حمو من الشعر وما قيل فيه من الأمداح وفي آخر الليل يمد للحاضرين سماط فاخر يشهده الملك وينفض المحفل عند انبلاج الصباح .
ومن أبدع ما كان يزين تلك الحفلة المنجاقة البديعة ذات التماثيل العظيمة من اللجين التي كانت تستعمل عندهم لمعرفة الساعات بالليل وقد يخرج بنا الإطناب في وصفها عن الموضوع فمن أراد التملي من ذلك فليرجع إلى الجزء الرابع من نفح الطيب .
وإلى جانب هذه الاحتفالات الرسمية التي تقام لذكرى المولد من طرف الملوك تقام احتفالات أخرى خاصة يجعلها الناس في منازلهم بتلاوة المولد وأناشيد المديح ويظهرون لها علامات الفرح وشارات الزينة وتغدق فيها الصدقات وتؤدب المآدب .

وقد ظهرت هذه الاحتفالات بالمشرق في القرن السابع واستحسنها إمام الشافعية يومئذ الشيخ عبد الرحمان أبو شامة شيخ الإمام النوري واستمر تنافس الناس في إقامة المولد ومبالغتهم في النفقة عليها حتى قرنوا الإنشاد بنقر الدفوف ونفخ المزامير .
ولم ينبلج صبح القرن الثامن إلا وقد حف بالاحتفالات من الغلو ما كان داعيا لإنكار كثير من العلماء إنكارا جرهم إلى الإنكار على أصل إقامة المولد وكان في مقدمة هؤلاء الفقيه المالكي تاج الدين عمر بن علي اللخمي الاسكندري المعروف بالفاكهاني المتوفى سنة 731 فكتب في ذلك رسالة سماها المورد في الكلام على المولد وقد أوردها جلال الدين السيوطي بنصها في كتاب حسن المقصد الآتي ذكره : وقد دخل في عوائد المولد صدر القرن الثامن عادة الوقوف لإجلال ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان ابتداؤها بالشام وأول من فعلها الشيخ الإمام تقي الدين بن عبد الكافي السبكي المتوفي سنة 756 في قصة أوردها الشيخ تاج الدين في طبقات الشافية بالعبارة الآتية أحضر مرة ختمه بالجامع الأموي وحضرت القضاة وأعيان البلد بين يديه وهو جالس في محراب الصحابة فأنشد المنشد قصيدة الصرصري التي أولها – قليل لمدح المصطفى الخط بالذهب – فقال :
وأن تنهض الأشراف عند سماعه قياما صفوفا أو جثيا على الركب
حصل للشيخ حالة وقام واقفا للحال فاحتاج الناس كلهم أن يقوموا فقاموا أجمعون وحصلت ساعة طيبة اهـ.
وقد التزم الناس من يومئذ إنشاد أبيات الصرصري في مجالس المولد والقيام عندها وكان ذكرهم الأبيات ملتزما عند الوصول إلى ذكر ساعة المولد ثم صار بعضهم يجعل القيام لمجرد ذكر المولد وقد أتى القرن التاسع والناس بين مجيز ومانع ومترددين في حكم إقامة الموالد والقيام لها محتارين فيما تضمه الحفلات المولدية من الأمور المتقدمة التي كانت سببا لإنكار المنكرين حتى فاه أئمة القرن التاسع الأعلام أمثال الحافظ السيوطي والحافظ بن حجرالعسقلاني وابن حجر الهيثمي بتأييد إقامة المولد واستحسانه وصرحوا بأن ما طرأ على الموالد من الأمور المنكرة يجب تجريد الموالد عنها ولا تكون قاضية على الأصل بالإبطال واستخرجوا لذلك أدلة مستروحة من السنة الشريفة وعلى ذلك بنى الحافظ السيوطي رسالته البديعة ((حسن المقاصد في عمل المولد )) التي رد فيها على الفاكهاني المتقدمة .
وتقرر هذا الاستحسان عند علماء المسلمين وشاعت الموالد في غالب البلاد الإسلامية وكان لرؤساء الزوايا الصوفية بالمشرق والمغرب عناية زائدة بهذه الاحتفالات التي اصطبغت بأشكال مختلفة بحسب اختلاف الطرق الصوفية الراجعة لها تلك المعاهد واتخذ مشائخ الصوفية بحصر الاحتفال المولد مواكب سيارة في الطرقات زيادة على مجلس التلاوة .
ولم تزل هذه العوائد متوارثة بغالب بلاد الإسلام على نحو ما كانت عليه في القرن التاسع ولكن الظاهر أنه قد اعتراها فتور بالمغرب الأقصى منذ القرن العاشر فقد ذكر الأستاذ العلامة سيدي محمد الحجوي في رسالة مسماة أصفاء المورد في عدم القيام عند سماع المولد كتبها سنة 1336 ما نصه ولا كان عمل الموالد يحتفل فيه الكثير من الناس فيما أدركنا و أنما ذلك في هذه السنة وما قرب منها

بقلم العلامة الشيخ الفاضل بن عاشور رحمه الله

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Loading...