موقع اسلامي يهدم لنشر قيم الاعتدال والسماحة والوسطية والتعريف بعلماء تونس وموروثهم العلمي

موقف من كلمة راشد الغنوشي في افتتاح جامعة ابن خلدون بتركيا

بقلم الشيخ الحبيب بن طاهر

0

موقف من كلمة راشد الغنوشي

في افتتاح جامعة ابن خلدون بتركيا

شهر ماي 2017

استمعت إلى كلمة السيد راشد الغنوشي بتركيا بحضور الرئيس التركي ورجال دولته بمناسبة افتتاح جامعة ابن خلدون بإستنبول، ويؤسفني أن أقول إنّها كانت كلمة توحي بالهزيمة أمام الآخر:
ـ الهزيمة أمام الفكر الاستشراقي الذي افتعل معركة وهمية بين العلاّمة ابن خلدون وأئمّة العلم الشرعي من بني جلدته في عصره،
ـ الهزيمة التي تفقد صاحبها الثقة بأمّته وبموروثها الثقافي والعلمي وخاصّة في مجال المعرفة الدينية.
آثار هذه الهزيمة هي التي جعلت السيد راشد الغنّوشي يركّب على العلاّمة ابن خلدون مغالطات تاريخية خطيرة اتّجهت إلى ضرب مؤسّسات الأمّة الشرعية “الزيتونة” و”الأزهر” وسائر الجامعات الإسلامية في ذلك العهد، وضرب رصيدها الثقافي الموروث ووصمها بأوصاف مشينة ومقذعة لا تليق بمؤسّسات مَصْدَر علومها القرآن الكريم والسنّة النّبوية الشريفة، فقد وصف نظامها التعليمي بأنّه “نظام متخلّف يعتمد التقليد ولا يعتمد الإبداع” وبـ “انحطاط التعليم” وكرّر ذلك مرّات في كلمته، ثمّ أجهز على التعليم الشرعي بربط ما آلت إليه أوضاع الأمّة المنحطّة في عصر ابن خلدون بانحطاط التعليم، وهذا نفس ما ردّده بورقيبة حينما أجهز على التعليم الزيتوني في القرن العشرين.
وإنّي أتحدّى السيد الغنّوشي إن كان يتكلّم بصفته باحثا أن يأتي من مقدّمة ابن خلدون أو من سيرته أنّه وصف التعليم في عصره بالانحطاط، بل إنّ له الفضل في التعريف بالعلوم التي ازدهرت في عصره التي سمّاها بالعلوم الحِكْمية والعقلية وفي ذكر مراحل تطوّرها كعلوم العدد والهندسة والهيئة والمنطق والطبيعيات والطبّ والفلاحة والفلسفة والكيمياء وكيف أنّها نشأت في أحضان المؤسّسات الشرعية وعلى أيدي كثير من العلماء الذين جمعوا بينها وبين العلم الشرعي. كما إنّ له الفضل في التعريف بالعلوم النقلية وبالجهود الكبيرة التي قام بها علماء الدين في إنشائها وفي تطوبرها إلى غاية عصره، وما أبدعته قرائحهم من المؤلفات التي وحّدت الأمّة الإسلامية في ثقافة شرعية مشتركة، و”مقدّمته” لا تخلو من الإشادة بهم والثناء على صنيعهم، وإن نقدهم في جوانب من مناهج التأليف.
الحضارة التي وصفها السيد الغنوشي بالانحطاط متقوّلا بذلك على ابن خلدون، فإنّ هذا الأخير يجعل ما وصلت إليه الأمّة في عصره من المعارف العقلية والنقلية علامة على رّقيّها الحضاري وتقدّمها في المدنية والعمران (ص 400).
وإنّ العلاّمة ابن خلدون ـ لمن لا يعلم ـ لم ينزل من السماء بل هو وليد ثقافة عصره، كان قد درس الكتب الشرعية المعتمدة في عصره، ثمّ درّسها لطلبته وألّف على بعضها، ولولا الزيتونة والأزهر والجامعات الإسلامية التي أدانها السيد الغنوشي لما كان ابن خلدون علاّمة ونابغة، وإنّ غير ابن خلدون كثر في هذه الأمّة في عصره وبعد عصره بفضل هذه المؤسّسات التي أصبح من السهل التطاول عليها بعد أن أنهكتها الأنظمة.
لكن الانحطاط الّذي حلّ بالأمّة الّذي تكلّم عليه السيد الغنوشي سببه الوحيد هو بعض العلماء والمفكّرين ـ سابقا وحاضرا ـ الّذين ينتقلون من ساحة العلم إلى ساحة السياسة ولا يحملون معهم إسلامهم ولا قيمهم التي تعلّموها في الجوامع وحلقات الدرس، فيفصلون الدين عن الحياة، ويمارسون السياسة كما قال ميكيافلّي “الغاية تبرّر الوسيلة” وابن خلدون مع تقدير الجميع لنبوغه العلمي كان من هذا النّوع، فحين انتقل إلى عالم السياسة بين الجزائر والمغرب والأندلس سقط في مستنقع المؤامرات والدسائس لصالح أمراء ضدّ آخرين، ودخل في معارك سالت فيها دماء المسلمين بين القبائل، خدمة لطموحه السياسي في شغل المناصب العليا لا غير، ملقيا وراء ظهره تعاليم الإسلام في شغل المناصب السياسية أن تكون لحراسة الدين وسياسة الدنيا به كما قال ذلك ابن خلدون نفسه في مقدّمته.
ـ أمّا الهزيمة الأخرى التي تضمّنتها كلمته، فهي استجداء التاريخ ليعود بالأتراك ليحرّروا فلسطين ويوحّدوا الأمّة، في شعوبية مقيتة يتبرّأ منها الإسلام. إنّ أوّل من حرّر فلسطين هم المسلمون بقيادة أبي عبيدة بن الجراح وليسوا العرب، وأنّ من حرّر فلسطين ثانية ووحّدوا الأمّة هم المسلمون بقيادة صلاح الدين الأيوبي، وليسوا الأكراد، وأنّ من قهر المغول هم المسلمون بقيادة سيف الدين قطز وليسوا الأتراك ولا الشركس، فلماذا هذا التملّق والنفخ في النعرات القومية التي مزّقت شمل الأمّة، وقد علم حكماؤها أنّها لا تستردّ مجدها إلاّ بالإسلام، لا بالعروبة ولا بالتتريك ولا بغيرها من التسميات، وهل أضاع الإسلامَ إلاّ الأتراك العثمانيون الّذين لم يحافظوا على منصب الخلافة بما كان يدور في قصور سلاطينهم!. وهل علّمنا التاريخ أنّه لا يعطي الفرصة للشعوب مرّتين، فلم يعطها للأمويين، ولا للعبّاسيين، ولا للأغالبة، ولا للمرابطين، ولا للموحّدين.
وختاما أرجو من الأستاذ الغنوشي أن يتّقي الله تعالى في الزيتونة، إذ هو كلما سنحت له الفرصة إلاّ كال لها التّهم في غير موضوعية ولا إنصاف، وما زال كتابه المليء بالأغاليط عن الزيتونة وعلماء تونس يضلّل الشباب ويعبّئهم كراهية لعلماء بلادهم، وأن لا يستغلّ خطاباته السياسية لتشويه هذا الصرح الّذي لاذ به التونسيون قرونا طويلة ورفع شأنهم في العالمين.
الشيخ الحبيب بن طاهر
قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...