موقع اسلامي يهدم لنشر قيم الاعتدال والسماحة والوسطية والتعريف بعلماء تونس وموروثهم العلمي

هل الإفتاء خطّة علميّة أو سياسيّة ؟ – بقلم الدكتور هشام قريسة رئيس جامعة الزيتونة

0

بقلم الدكتور هشام قريسة رئيس جامعة الزيتونة هل الإفتاء خطّة علميّة أو سياسيّة ؟
لم يكن الإفتاء في تاريخ الإسلام إلاّ خطّة علميّة يقوم المفتي المؤهّل للإفتاء بالتّبليغ عن دين الله وبيان أحكامه طبق ما حصّل من المعرفة الشرعيّة بملازمة العلماء والفضلاء.
فلمّا يرى في نفسه الكفاءة العلميّة، ويرى النّـاس فيه القدرة على تحصيل الأحكام وفهم الواقع، واستيفاء ملكة العقل بحسن الرّبط بين الخطاب الإلهي والواقعة البشريّة، ولمّا يأذن له شيوخه وأساتذته في الاجتهاد، وذلك بإجازته، يمارس هذا العمل الاجتهادي العلمي من دون وظيفة ومن دون مرسوم سياسي.
ثمّ آل الأمر في الأزمنة الأخيرة، في بلاد الإسلام أن أصبح الإفتاء وظيفة سياسيّة يرشّح لها من تختاره الدولة لهذه الوظيفة، على أساس الولاء السّياسي أي أنّ المفتي إنّما يخدم السّلطة الحاكمة ومن يقوم على أمر النّاس، فتجري فتاويه على سنن إرادة الحاكم، لا على سنن إرادة صاحب الشّرع.
ولذلك قيل فيه “مفتي الجمهوريّة” وكان قبل الاستقلال يسمّى “مفتي الديار التونسيّة” بعد أن كان ردهات طويلة من الزّمان يسمّى “المفتي” الذي لا ينتسب إلى ديار أو جهة أو مملكة أو جمهوريّة تعريفه “المفتي” بالألف واللاّم، المستقل عن كل نسبة، العارف بمهمّته، المطلوب من الأمّة للنّظر في قضاياها ومستحدثاتها.
إنّ الإفتاء اليوم أصبح وظيفة سياسيّة مثل الوزارة أو الولاية، يملك صاحب السلطة التنفيذيّة أمر إبقائه أو عزله بحيث أنّ مصيره مرهون برغبة صاحب السّلطة، فإن رضيه أغدق عليه المنح والامتيازات الوظيفيّة، وإن سخط عليه عزله.
أمّا باعتبار الإفتاء خطّة علميّة، اجتماعية، تحتاجها الأمّة، فإنّه لا يملك أحد من السّاسة منعه من أداء مهمته العلميّة إلا إذا استطاع الحاكم أن يلفّق له تهمة جنائيّة يسجنه بها أو يمنعه عن النّاس بإقامة جبريّة.
وكان العلاّمة المالكي التونسي عبد الحميد الصّائغ [شيخ المازري] خرج مغاضبا من مدينة المهديّة زمن الدولة الصنهاجيّة، فالتحق بمدينة سوسة فمُنع من التدريس والإفتاء في مساجدها فجاء إلى مكان غير معمور جنوب سوسة يبعد عنها ثلاثة أميال من جهة البحر، فاستقرّ هناك وبنى بيتا، وتفرّغ للعبادة فأتاه النّاس من كل صوب وحدب، وبنوا بيوتا عند بيته يحملون عنه العلم حتّى أصبحت مدينة تعرف باسمه [أي سيدي عبد الحميد].
ولا يعني هذا أنّ المفتي سيتّخذ موقفا معارضا من السّلطة الحاكمة، وإنّما هو منشغل بما ينفع النّاس بمعالجة قضاياهم الفقهيّة وإيجاد الحلول المناسبة لها من خلال كتاب الله وسنّة نبيّه، وبيانات العلماء قبله. فقد كان المُفتون، أهل الحكمة، وأهل النّظر في معالجة أدواء الأمّة ومشاكلها بل الأكثر من هذا
لم يكن الإفتاء في الإسلام وظيفة أصلا، كالتّدريس والتّعليم والإقراء والإمامة، ولم يكن للقائم بها جراية من بيت المال ولا له عطاء، وإنّما عطاؤه يأخذه من الدّولة مقابل قيامه بالتّدريس وتبليغ العلم، وإنّما امتاز الإسلام عن المسيحيّة واليهوديّة، بأنّ علماءه لم يمثّلوا هيكلا دينيا مرتّبا من السّلطة السّياسية، ليحتكروا الشّأن الدّينيّ ويأخذوا على ذلك مقابلا ماليا وقد أدّى الأمر بهذا الهيكل الدّينيّ أن يكون رجاله يأخذون كذلك علاوات ماليّة مقابل ما يصدرون من صكوك الغفران للآخرة.
فلمّا أصبح الإفتاء وظيفة سياسيّة، نُكبت الأمّة في أعظم علم عندها، وفي أوسع معارفها فائدة وانتشارا، لما في الفتوى من أهميّة متأكّدة في الحياة الإسلاميّة.
وانضـــاف إلى كون الإفتــــاء أصبــح وظيفـــة مسيّســـــة، مــا تنـــــــــاثر علــــى جـــــــانبيه مــــن العلاوات الماليّــــــة و”الرشوقات” المرغّبة للقيام بهذه الوظيفة التي أصبحت مدنّسة.
فإذا أضفنا لمسألة التّسييس والترغيب بالعلاوات، أن أمر الإفتاء أصبح موكولا في بلادنا إلى فردٍ وتِرَ الحجّة، وفَقَدَ أهل العلم من حوله، أدركنا خطورة ما يمكن أن يفتي به هذا المفتي، أو ينطق به، وكنتُ منذ سنوات قليلة، رفضت تقلّد هذا المنصب ودعوت إلى تكوين هيئة شرعيّة دستورية عليا تتولّى النّظر والإفتاء في أهم قضايا الأمّة الملحّة، وإصدارِ أحكام إجماعية فقهيّة فيها، تكون مرجعا علميّا للأمّة، وذلك بُعَيْد الثورة، حينما اجتاحتها فتاوى التبديع والتفسيق والتكفير، وتسفيه أحلامها والاستنقاص من قدر علمائها، هذه الفتاوي القادمة من المشرق.
ولقد رأينا في “بلادنا الحداثيّة ” منذ ستّين عاما ازدراء الطبقة السياسيّة مسنودة بالهجناء من المثقّفين والمتعالمين، واستنقاصهم لعلماء الدين، الذين كانوا دوما متصالحين مع هوية الأمّة ودينها وثقافتها. ومع ذلك لا يتورّعون في استمالة أزلام العلم واستخدامهم في أغراضهم الخاصّة وأهوائهم الجامحة في الحكم والسيادة، وتوجيه الناس لنزواتهم الشخصيّة التي يسعون إلى تحقيقها عن طريق المفتي، الملبّي لهذه الحاجات. ولذلك فإنّ منصب الإفتاء الفرديّ لم تعد الأمّة في حاجة إليه لـمّا انقلبت وظيفته إلى مغالطة للأمّة وافتراء على الله، بل أصبح هذا المنصب كلاًّ عليها، قال صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الّذي رواه الطّبراني في “المعجم الكبير” وأبو نعيم الأصفهاني في “دلائل النبوة” [ ألا إن رحى الإسلام دائرة، فدوروا مع الكتاب حيث دار، ألا إن كتاب الله والسلطان سيختلفان وفي رواية “سيفترقان” فلا تفارقوا الكتاب ألا إنه سيكون عليكم أمراء يرضون لأنفسهم ما لا يرضونه لكم، فإن أطعتموهم أضلّوكم وإن عصيتموهم قتلوكم، قالوا : وما نفعل يا رسول الله، قال : كما فعل أصحاب موسى، حُملوا على الخشب ونشروا بالمناشير فو الذي نفس محمّد بيده لموت في طاعة الله خير من حياة في معصيته].
وأريد أن أنبّه “مفتي الجمهوريّة” كما يُطلق عليه، أنّه تم في شهر مارس من سنة 2016 طرح مبادرة تشريعيّة للمساواة في الإرث تزعّمها النّائب مهدي بن غربيّة وسانده في ذلك نوّاب من مختلف الكتل السياسيّة وكنتَ وقتها، أيّها المفتي، أعلنتَ معارضتك لهذا الاقتراح وقلتَ “لا يجوز شرعا المساواة في الإرث بين الرّجل والمرأة وأنّه لا يجوز الاجتهاد في هذه المسألة لأنّ النص القرآني صريح في ذلك، وحسم فيها بحكم الآية الواردة في سورة النساء “يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين”. وبيّنتَ أن هذا النص هو نص شرعي محكم وقد بيّنَتْه مجلّةُ الأحوال الشخصيّة، كان هذا كلامَك سابقا حين تكلّم النّائب، فلمّا تكلّم الرئيس لاحقا تغيّرت فتواك، لأنّ كلام الرّئيس عندك لم يعد اقتراحا كسابقه بل أصبح قرارا إلزاميا، الواجب في حقّك دعمه ومناصرته، فلم تعد ترى حرجا شرعيّا في المساواة في الإرث اعتمادا على آية أخرى من سورة البقرة فصلت بعضها عن بعض “ولهنّ مثل الذي عليهنّ بالمعروف” وسكتت عن بقيّة الآية التي فيها “وللرجال عليهنّ درجة” البقرة 228 وإنّ اقتطاع هذه الألفاظ من كتاب الله لا يسمى آية، كما أن الاستدلال بقوله تعالى “وكلوا واشربوا” لا يسمى آية حتى تسوق بقيّتها فيكمل معناها ومرادها بقوله “ولا تسرفوا” وكلّ استدلال من القرآن بهذه الطريقة يعد تشويها لكلام الله وافتراء عليه، وهزءة منه، “فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم” النور61
إن أسوأ ما في خطابك، طريقة استدلالك بكتاب الله لهدم أحكام الله، أو بعبارة أخرى ضربك الكتاب بعضه ببعض واستدلالك بأوّل الآية وإعراضك عن آخرها إنّما هو لإرضاء المخلوق وإسخاط الخالق.
فقوله تعالى: ” وللرّجال عليهنّ درجة ” إنّما هي درجة المسؤوليّة والالتزام وتحمّل الأمانة، لا درجة الحاكميّة والغطرسة، هي درجة الإنفاق على العائلة وبذل الجهد في القيام بشؤون الزوجة والأولاد وليست درجة الابتزاز والتسلّط على المرأة، هي درجة التحنّن وحماية الأهل والبنين ببذل النّفس والنفيس فِدًى لذلك واستلزم الأمر للقيام بهذه الدرجة التكليفيّة مزيد توفير المال واستلزم ذلك عدم التسوية في الإرث لأن التسوية في الإرث يصبح حينئذ ظلما مع ما كلّف به الرجل من مهام الإعالة والنفقة، زوجا كان أو مطلّقا.
فإذا أردتم أيّها المتشرّعة مساواة، فاجعلوها في كل شيء، ولا تلزموا الرّجل وحده بالنّفقة على عياله، وإنما يكون الإنفاق بالتّشارك مع زوجته في حال الزّواج ومع طليقته في حال الفراق ولا تعطوا للمرأة نفقة من الرجل في الحالتين ولا تنفّلوها بمهر ولا عطيّة، ولا تأمروا أباها بأيّ نفقة من نفقات زواجها أو طلاقها زائدة على أخيها الذّكر، ولا تجعلوا عليه إيواء وتحمّلا بل المساواة تقتضي أن تنفق هي على والديها المحتاجين، كما تأمر الشريعة الرّجل بالإنفاق عليهما، فإن سويتم ذلك في حياتكم كلّها أيّها السّاسة والمتشرّعة، تكونون قد حقّقتم المساواة المطلقة وتتحمّلون حين ذلك تبعات ما قرّرتموه إذا وافقتكم الأمّة، فإذا حصلتم على الموافقة في تغيير المنظومة التشريعيّة كلّها بإقرار المساواة المطلقة فلا أظن أنكم ستهنؤون بها، لأنكم حينئذ ستقفون على معضلة قانونية كبيرة أنّكم لا تجدون طرفا معينا، مقننا تلزمونه بالواجبات العائلية، كما ستقفون على معضلة اجتماعية أكبر وهي تفصيّ طرفي العائلة (الزوج والزوجة) وكذلك (الطليق والطليقة) من مسؤوليتهما، وإلقاء التهمة بالتقصير كل منهما على الآخر، ومع ذلك فإنّه لا تستفزّني الدّعوة إلى المساواة في الميراث لأن المسلم و المسلمة كل منهما يمكن أن يتفضّل على الآخر بنصيبه من الميراث كلّه فضلا عن بعضه، ولا حرج في ذلك من جانب الشّرع إذا كان الأمر اختياريّا، بل إن الله سبحانه وتعالى يأمرنا أن لا ننسى الفضل بيننا.
ولكن الذي يؤرقني ويخيفني الحديث عنه، ما الناس لاهون عنه وهو زواج المسلمة من غير المسلم وأشد ما يؤلمني أن يتكلّم المنسلخون عن حضارتنا وقيمنا عن القانون المانع لذلك بأنّه “منشور العار” بل العار أن تتزوّج المؤمنة بربّها المخبتة له بمن ينكر وحدانيّة الله وينكر رسالة الإسلام وينسب نبيّنا إلى الكذب فهذا هو العار الذي تقع فيه المسلمة إذا تزوّجت غير المسلم.
إنه لم يكن في كتاب الله شيء أَشَدَّ منعا وأوقع أثرا وأغلظ حِرْمَةً من تحريم زواج المسلمة بغير المسلم كتابيّا كان أو مشركا، لأنّ في زواجها منه إبطالا لحكمة الله تعالى في أنّه لا يناسبها ولا يرقى لها كعبا ولا يدانيها همّة فكيف يبيح الشرع زواجها منه و ييسر له العلو عليها وهي في واقع الأمر ونظر الدين عالية عليه. ولم يجعل الله أبدا الكفر كُفُؤًا للإيمان قال تعالى: “ولا تُنكِحُوا المشركينَ حتّى يؤمنوا” البقرة:221 أي لا تزوّجوهم حتّى يؤمنوا، وقوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن، فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار، لا هن حلّ لهم ولا هم يحلّون لهنّ”. الممتحنــــة:10
بل انه سبحانه وتعالى أنكر التناسب بين الزنا و الإيمان ومنع الاجتماع بينهما في منظومة عائلية واحدة، وذلك لأن الزنا خيانة والإيمان صدق ومعاهدة، قال تعالى:” الزّاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك و حُرّم ذلك على المؤمنين” سورة النـــور3
فإذا كان الدخول بالزنا في منظومة الزواج الشرعي مُفسد لها، فان الدخول بالشرك أو الكفر في هذه المنظومة مؤذن بما هو أشدّ منه فسادا و أشد امتهانا وذلة وصغارا فمن أراد أمرا لم يردهُ الله له، وسار في سبيل لم يمهده له، ورضي مقاما لم يرضه الله له، فليهنأ بالمعيشة الضنكة في الدنيا والعاقبة المخزية في الآخرة وساء أولئك رفيقا.
د. هشـــــــــــام قريســــــــــة
رئيس جامعة الزّيتونة

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...