موقع اسلامي يهدم لنشر قيم الاعتدال والسماحة والوسطية والتعريف بعلماء تونس وموروثهم العلمي

هل من مراجعات للمرابحة المصرفية – الشيخ الحبيب بن طاهر

0

المطّلع على ما كُتِب في موضوع المرابحة المصرفية يتراءى له أنّه موضوع ـ رغم مرور العقود على تقديمه بثوب شرعيّ ـ لا يكاد تجد له أصولا ثابتة ولا أدلّة قوية في مقابل النصوص الشرعية التي ينطق بمخالفتها. ولذلك ظلّ يتجدّد طرحه من حين لآخر، وخاصّة من باحثين شباب، كانت هممهم عالية في البحث والتنقيب عن الموضوع من مصادره الأصلية ولم يرضوا أن يسلّموا بما جاء في المؤلّفات المعاصرة التي قدّمت المرابحة المصرفية في شكل فصول قانونية، على أنّها قواعد قطعية لا يطال شرعيتها شكّ ولا ريب. فأثار هؤلاء الباحثون الشباب تساؤلات تنمّ عن عمق فهمهم للمنظومة التشريعية الإسلامية أصولا وفروعا، قد لا نجد هذا العمق في بعض البحوث المقدّمة في هذا الموضوع من مختصّين في علوم الشريعة.
تساؤلاتهم تتعلّق بتاريخية هذه المعاملة أو استحداثها، وبالتزام الواعد وأثره على العقد، وعن شرعية الربح الّذي يأخذه البنك دون جهد ولا مخاطرة، وعن شرعية ما يأخذه باسم “هامش الجدّية”، وعن شرعية بيع البنك السلعة للعميل قبل قبضها والاستيلاء عليها، وعن شرعية غرامة التأخير سواء استفاد منها البنك أو دفعها في أوجه الخير؟ لأنّهم رأوا أنّ كلّ مسألة من هذه المسائل تصطدم مع نصوص شرعية ناطقة بتحريمها، فيتساءلون: هل من المعقول أن يُحْكَم بشرعية عقد، والحال أنّه يخالف في كلّ مفاصله نصوصا شرعية، ورأوا أيضا أنّه لا توجد ولو خيطا فارقا بين المرابحة المصرفية والربا، يستطيع بها المدافع عن المرابحة المصرفية أن يقنع بها غيره إقناعا يستند إلى قواعد الأصول. ورأوا أيضا أنّ جلّ الّذين يروّجون لهذا العقد وغيره من عقود “المالية الإسلامية” مهمّتهم التنقل من دولة إلى دولة يمتهنون ذلك لصالح البنوك، ولهم ارتباطات حتى ببنوك أمريكية وأوروبية، وحين يتحدّثون إنّما يتحدّثون عن البحث في الفقه الإسلامي كيف يؤمّنون البنوك من المخاطر!!
لقد تجاوز هؤلاء الباحثون الشباب الأفق الّذي وقف عنده المدافعون عن المرابحة المصرفية، فأعلن بعضهم أنّها ليست إلاّ حلقة من حلقات المنظومة الربوية العالمية، وإنّك لتجد هذا الموقف لدى الكثير من خبراء المالية وفقهاء الشريعة الإسلامية المعاصرين.
ولذا، قد آن الأوان أن يقف المتخصّصون في الفقه الإسلامي، على الأقلّ في بلاد علماء الزيتونة الذين منهجهم التدقيق والتمحيص، لا التقليد والاتباع لغيرهم، وقفة مراجعة للمرابحة المصرفية، لإنتاج عقد يكون مسايرا لمتطلبات الحياة، ولكنّه غير مناقض لأحكام الشريعة.

الشيخ الحبيب بن طاهر

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...
%d مدونون معجبون بهذه: