الأضحية وما يتعلق بها من أحكام

0 124

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد أشرف المرسلين وعلى آل بيته وصحبه الطيبين الطاهرين، وبعد،

الأضحية من المناسك التي شرعها الله في الملة الحنيفية، وهي سنة إبراهيم الخليل عليه السلام، واستقر حكمها في الشريعة المحمدية، شرعت في السنة الثانية من هجرته صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة، قال الله تعالى: “فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ”(الكوثر:2)، وروى مسلم في صحيحه من طريق أنس رضي الله تعالى عنه قال: “ضحَّى النبيء صلى الله عليه وآله وسلم بكبشين أملحين (1) أقرنين (2)، ذبحهما بيده، وسمى وكبَّر ووضع رجله على صفاحهما (3)”.

صفة الأضحية:
لعلماء الإسلام مذاهب في صفة الأضحية، فذهب أبو حنيفة ومحمد إلى أنها واجبة، فهي ليست بفرض عنده، وذهب أبو يوسف إلى أنها سنَّة، وإلى هذا القول ذهب إمام دار الهجرة رضي الله تعالى عنه.
من تجب عليه الأضحية:
إنما تجب التضحية على المسلم، القادر، المقيم، البالغ، بنية التضحية، قال في البدائع: “لا تجزي التضحية بدون نية”، فلا تجب على غير المسلم ولا على العاجز، وفسَّر الحنفية القادر بأنه الذي يملك مائتي درهم زائدة على حاجته الأصلية بأن تكون زائدة على مسكنه وثيابه ومتاع منزله الذي يحتاجه، ومن الزائد ما إذا كان له عقار أو أرض معدة للاستغلال ودخله من ذلك يفي بقوت علمه، أو كان يستحق من غلة وقف، وبلغ منابه النصاب المتقدم، واستحقه في أيام النحر فإنه يعد في كلتا الصورتين قادراً وعليه الأضحية كذا في البحر، أو يكون له ما يساوي مائتي درهم من العروض أو النقود.
وفسَّر المالكية القادر بأنه الذي لا يحتاج إلى ثمنها لأمر ضروري في عامه، حتى لو احتاج في تلك السنة لا تسن في حقه الأضحية كذا في (خليل) وشرحه.
ومن هنا نعلم أنها لا تجب على الفقير الذي ليس له نصاب، وما نرى عليه الفقراء من الحرج في القيام بهاته الشريعة هم في غنى عنه لا سيما والبعض يبلغ به الأمر بعض ضرورياته أو رهنها، والشارع لم يطالبه بهذا، والأشد من هذا أن يرهن بعض ما يملك بفائض ليتوصل لشراء أضحيته فرارًا من العار وتعمية على جيرانه، وهو بهذا الصنيع قد ارتكب كبيرة وذنبًا عظيمًا، ولا تجب على المسافر الأضحية، وإذا تطوع بها أجزأته، والإقامة المعتبرة أعم من أن تكون في مدينة أو قرية أو في البادية.
ولا تجب على الصبي من ماله، قاله في (الكافي)، وليس للأب أن يفعله من مال طفله، قال في (الدرِّ) وهو المعتمد وعليه الفتوى، قال الكمال وكذا الجد والوصي، كما أنه لا يجب على الأب أن يضحي عنه، قال قاضي خان في فتاويه: “في ظاهر الرواية أنه يستحب ولا يجب بخلاف صدقة الفطر، فيستحب للأب أن يضحي عن طفله”.
وقال المالكية: تُسنُّ الأضحية للصبي القادر عليها، ويضحي عنه وليه ولو كان الصبي يتيمًا، قال خليل: “سُنَّ لحرٍّ غير حاج بمنى ضحية لا تجحف وإن يتيمًا”، قال الزرقاني: “ويخاطب وليُّه ليفعلها عنه من مال اليتيم”.
أنواع ما تصحُّ به الأضحية:
الأضحية تتنوع إلى أربع أصناف من النعم وهي الضأن والمعز والإبل والبقر، وفي حكم البقر الجاموس، أما الضأن والمعز فإنه يضحي بواحد منهما عن فرد واحد، وأما الإبل والبقر والجاموس فتجزي عن سبعة، ويضحي بالثني من هاته فما فوق، والثني هو ابن خمس من الإبل، وابن سنتين من البقر والجاموس، وابن حول من المعز والضأن، ويجزي إذا ضحى بالجذع من الضأن وهو ابن ستة أشهر فما فوق إذا كان بحيث لو اختلط بالثنايا عد منها، وقال قاضي خان في فتاويه: الجذع هو الذي اتى عليه ستة أشهر وشيء.
ولا يجزئ الجذع من الإبل وهو ابن أربع ولا الجذع من البقر وهو الذي لم يتم السنتين ولا من المعز، وهو الذي لم يأت عليه حول حكى في المبسوط: الاتفاق على عدم جواز الجذع من هاته، فلو ضحى بواحد منها لا تكون أضحية، فلينتبه الناس إلى ذلك فإن كثيرًا من الناس يلتبس عليهم الأمر فيظنون أن الجذع يجزئ عند أبي حنيفة رضي الله عنه في الأصناف كلها مع انه لا يجزي إلا في الضأن خاصة وقوفاً عند النص، روى النسائي من طريق عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه قال: ضحينا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بجذع من ضأن.
شروط صحة الأضحية:
يشترط لصحة الأضحية سلامتها من العيوب، أخرج النسائي من طريق عبيد بن فيروز مولى بني شيبان قال: قلت للبراء حدثني عما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الأضاحي قال: “قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويدي أقصر من يده فقال أربع لا يجزن: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والكسيرة التي لا تنقي”، وفي رواية أخرى والعجفاء بدل الكسيرة.
فلا تصحُّ الأضحية بالعوراء التي ترى بعينها وأحرى إذا كانت عمياء.
ولا بالمريضة التي ظهر مرضها للعيان.
والجرباء إذا كانت هازلة لا يضحي بها وإن كانت سمينة يصح ولا يعبأ بمرض الجلد والصوف، والسعال ليس من الأمراض المانعة.
ولا بالعرجاء التي لا تستطيع المشي على جميع قوائمها، أما التي تمشي على ثلاثة وتضع الرابعة على الأرض لتستعين بها فإنها تجزي، وبذلك فسَّر الفقهاء الظلع المانع.
ولا بالكسيرة التي لا تنقي وهي التي ليس لها مخ في عظمها من شدة الهزال بأن تكون غاية في الضعف، وأخرج النسائي من طريق الإمام علي كرم الله وجهه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نستشرف العين والأذن، وأن لا نضحي بمقابلة ولا بمدابرة ولا بتراء ولا خرقاء، فالأمر باستشراف العين والأذن بمعنى طلب البحث عنهما حتى لا يكون فيهما عيب.
ولا تصحُّ الأضحية بالمقابلة وهي التي قطع مقدم أذنها، ولا بالمدابرة وهي التي قطع مؤخر أذنها، وبيَّن الفقهاء أن العبرة بالأكثر فإن كان المقطوع زائدًا على النصف لا تجزي وإن كان الأقل تجزي وعليه الفتوى.
ولا تصحُّ بالبتراء وهي المقطوعة الذنب أو الإلية والعبرة بالغالب أيضًا.
ولا تصحُّ الخرقاء وهي التي في أذنها ثقب وفسَّر الفقهاء الثقب المانع بالبالغ أكثر الأذن.
ولا تصحُّ بالهتماء وهي التي لا أسنان لها، أو ذهب أكثر أسنانها.
ولا تصحُّ بالتي لا أذن لها خلقة، قال الزيلعي: إذا كانت لها أذن صغيرة خلقة تجزي.
ولا تصحُّ بالجذاء وهي المقطوع رأس ضلعها أو يابسته.
ولا بالجذعاء وهي التي قطع أنفها.
ولا بالتي عولجت حتى انقطع لبنها.
ولا تصحُّ بالجلالة التي تأكل العذرة ولا تأكل غيرها.
ولا فرق في ذلك بين العيب الموجود فيها وقت الشراء والعيب الطارئ حتى أنه لو كانت سليمة من العيوب ثم تعيبت بعد ان اشتراها بواحد من العيوب المتقدمة يلزمه أن يقيم غيرها مقامها إذا كان غنياً وإن كان فقيرًا أجزأه ذلك وأما إذا كان تعيبت من اضطرابها وقت الذبح فلا يضر وتجزئه.
متى تصحُّ الأضحية:
تصحُّ الأضحية إذا نوى القربة قال في (البدائع): “فلا تجزي التضحية بدون نية؛ لأن الذبح قد يكون لغير التضحية وقد يكون للقربة”، والفعل لا يقع قربة بدون نية ولا يشترط أن يقول بلسانه ما نوى بقلبه كما في الصلاة ا.هـ.
ويسمي ويكبر عند الذبح، روى النسائي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم “يضحي بكبشين أملحين أقرنين وكان يسمي ويكبر…” الحديث.
وقت التضحية:
التضحية تجب وجوبًا موسعًا في سائر وقتها ويبتدئ وقتها من فجر يوم النحر وهو يوم العيد إلى غروب اليوم الثالث، ويشمل وقتها الليل والنهار، والنهار أفضل. قال المولى ابن عابدين: “الليل في كل وقت تابع لنهار مستقبل إلا في أيام الأضحية فإنه تابع لنهار ماض”ا.هـ، وعليه فالليلة الأولى التي تصحُّ فيها التضحية هي التالية لليوم الأول، والليلة الثانية هي التالية لليوم الثاني، وينتهي وقت الذبح عند غروب اليوم الثالث، وذهب المالكية إلى عدم الأجزاء إذا ذبح، قال خليل: “والنهار شرط”، ثم أن الوقت لا يختلف في ذاته ولكن يجب على من يذبح في المدن أن يؤخر الذبح إلى ما بعد صلاة العيد والمعتبر أسبق صلاة عيد أديت ولو قبل
الخطبة إلا أن الأفضل تأخير الذبح إلى ما بعد الخطبة، فلو ذبح في المصر قبل صلاة العيد فلا تصحُّ أضحيته وتكون لحماً لا نسكاً وإن تأخرت الصلاة ترقب إلى الزوال ثم بعد ذلك يسعه أن يذبح هذا في الذبح في اليوم الأول، وأما إذا ذبح في اليوم الثاني أو الثالث فلا يتقيد بشيء، والعبرة بمكان الأضحية لامكان من وجبت عليه، وقال المالكية لا تجزي إلا بعد أن يذبح الإمام في اليوم الأول ولو تعمد السبق لا تجزئه وعليه الإعادة وإذا تحرى أقرب إمام وظن أنه ذبح فتبين أنه ذبح قبل الإمام أجزأته، قال خليل: وأعاد سابقه إلا الْمُتحري أقرب إمام ا.هـ، وإذا تأخر الإمام لعذر شرعي ترقبه إلى قرب الزوال. قال خليل: “وبه انتظر للزوال”، وقال الزرقاني: “أي لقرب الزوال بحيث يبقى قدر ما يذبح فيه قبله لئلا يفوت الوقت الأفضل في اليوم الأول”.
وكثير من الناس لا يتحرون انتهاء الصلاة فيذبحون قبل صلاة العيد وهم بصنيعهم هذا قد ضيعوا نسكهم من فرط العجلة وعدم العلم بما تفضي به عجلتهم. وكان عليهم أن لا يقدموا على أمر حتى يعلموا حكم الله فيه، والله يقول: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.
وأما سكان القرى والبوادي فلا يتقيدون بانتهاء صلاة العيد في المدن بل يسعهم الذبح من بعد طلوع الفجر.
ما يندب في الأضحية:
ندب أن يذبح المكلف بيده إن كان يحسن الذبح وإلا شهدها بنفسه وأمر غيره بالذبح، وندب أن يتصدق من لحم الأضحية بالثلث، وله أن يدخر الثلث، ويطعم منه أهله وضيفه، ولو جعل الكل لنفسه صح لأن النسك حصل بإراقة الدماء، وهذا إذا لم تكن منذورة أو وجب التصدق بها بعد أيام النحر فيما إذا أخر الذبح عن وقته، ومن كان ذا عيال لا يندب في حقه التصدق منها.
والشاة أفضل من سبع البقر، والكبش أفضل من النعجة، والأنثى أفضل من المعز أفضل من التيس، وكذلك في الإبل والبقر كل ذلك إذا استويا في القيمة والسمن.
ما يكره في الأضحية:
يكره بيع جلد الأضحية واعطاء أجرة الجزار منها، قال عليه الصلاة والسلام: “يا علي تصدق بجلدها وخطامها ولا تعطِ أجر الجزار منها شيئاً”، وجاز أن يستعمل جلدها في مصالحه أو يستبدله بشيء ينتفع به انتفاعًا باقيًا، ويكره أن يستبدله بشيء يستهلك كلحم ونقود، وإن فعل شيئًا من ذلك يتصدق به، ويكره الانتفاع بلبنها قبل الذبح فإما أن يتركه في الضرع أو يحلبه ويتصدق به، وكره جز صوفها قبل الذبح لينتفع به، ويكره لمن عين أضحيته أن يبدل بها غيرها، ويكره أن يكون المباشر للذبح كتابياً لأنها قربة ولا ينبغي أن يستعان بالكافر في أمور الدين، وأما المجوسي ومن لا يدين بدين فيحرم ذبحه لأنه ليس من اهل الذبح، وصحت الأضحية عن الميت، ونقل الكراهة بعض مشائخنا إلا إذا أوصى بها، ثم إن كانت بإذنه يتصدق بجميعها، وإن ضحى عنه الوارث متبرعاً بغير وصية منه سابقة فإنه يصنع فيها كما يصنع في أضحية نفسه فله أن يأكل ويتصدق، والأجر يكون للميت، والملك يكون للذابح عنه.وتسقط الأضحية بالفقر الطاري في أيام النحر؛ لأن العبرة بآخر الوقت، كما تسقط عنه إذا مات في أيام العيد قبل أن يضحي، وإذا أدى المكلف الواجب الذي عليه وضحى بأضحية مستكملة للشروط على الوجه الأتم خرج من عهدة الواجب في الدنيا ويرجى له الثواب بفضل الله سبحانه يوم الجزاء، حقق الله رجاءنا وختم لجميع المسلمين بالسعادة، إنه قريب مجيب.
فضيلة الإمام العلاَّمة محمد الشاذلي بن القاضي رحمه الله تعالى.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأملح: قيل في تفسيره الأبيض الحالك، وقيل بياضه أكثر من سواده، وقيل الذي ينظر في سواد ويأكل في سواد ويمشي في سواد ويبرك في سواد بمعنى ان مواضع هذه منه سواد وما عداه أبيض.
(2) الأقرن: الذي له قرنان معتدلان.
(3) صفحة العنق جانبه.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...
%d مدونون معجبون بهذه: