الإطعام في رمضان من أجل العذر ليس عقوبة

0 90

بسم الله الرحمان الرحيم 

قيمة الإطعام في رمضان 

الإطعام في رمضان من أجل العذر ليس عقوبة

 

   في كلّ شهر رمضان يتساءل المفطرون فيه من أجل عذر من الأعذار الشرعية عن مقدار الإطعام الذي يطلب منهم ـ وجوبا أو استحبابا ـ دفعه بدلا عن الصيام. وأعني بالمعذورين شرعا: المريض مرضا مزمنا لا يقدر معه على الصيام، وكبير السنّ ـ رجلا أو امرأة ـ إذا بلغ من العمر سنّا يجد معه في الصيام جهدا ومشقّة، والحامل، والمرضع إذا أفطرت خوفا على ولدها.

    وللأسف ففي كلّ شهر رمضان يدخل على هؤلاء اضطراب وحيرة بسبب ما يصدر من إجابات متناقضة من هنا وهناك، وغالبها ينزع نحو إثقال كاهل المفطر المعذور شرعا بمقدار لا نجد له أصلا في الشرع، فالبعض يقدّر الفدية بدينار، وآخر يقدرها بدينارين، وهناك من غالى وقدّرها بثلاثة دنانير. وجميع هذه التقديرات تحوّل الفدية عقوبة، إذ يصل مقدارها لكامل الشهر على هذا التقدير إلى تسعين دينارا ؟!. ومع ذلك فإنّ هذه التقديرات تحمل تناقضا تتبرّأ منه أحكام الشريعة؛ ذلك أنّ المعذور مأمور شرعا ـ وجوبا أو استحبابا ـ بالفطر من أجل عذره، فكيف يعاقب على امتثاله؟!.

   إنّ هذه التقديرات تغيب عن أصحابها معان من النظر الشرعي تنبني عليه هذه المسألة، أحاول هنا أن أذكّر بها:

   أ ـ أنّ الشارع سمّى هذا الإطعام فدية ولم يسمّه كفارة، وذلك في قوله تعالى(وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين)[البقرة:آية 184]. ما يدلّ على أنّ الأمر مختلف بين الكفّارة والفدية؛ فالكفّارة للتكفير عن معصية الإفطار عمدا، وعن الحنث في اليمين والظهار ـ وإن لم يكن الحنث معصية ـ؛ وأمّا الفدية فهي بدل عن ترك عبادة بعذر(التعريفات:165، والرخص الفقهية:294)، وهذه الفدية قد تكون واجبة كما هو في باب الحجّ وفي إفطار المرضع، وقد تكون مستحبّة كما هو في حقّ المريض المزمن والشيخ الهرم والحامل.

   ب ـ أنّ تقديرات الشرع في الكفّارات والفدى الواجبة بعيدة كلّ البعد عن التشفّي وإرهاق المكلّف، حتى وهو يوجب عليه الكفارة لقصد التأديب والزجر، فأولى الفدية المندوبة.

   ج ـ أنّ الأصل في الشرع عدم استواء المفطر بعذر شرعي في حاله وحكمه مع المفطر عمدا المنتهك لحرمة الشهر، ومع ذلك فهما مستويان في مقدار الإطعام كما سنرى ذلك فيما بعد.

   د ـ أنّ الأصل في الشرع تحديد الكفّارات الواجبة حتى لا يدخل عليها الإخلال من قبل المكلف، وكذلك بالنسبة للفدية الواجبة كفدية الحجّ، وأمّا فدية الفطر بعذر فليست من الكفّارات ولا من الفدية الواجبة، فهي من باب التطوّع والإحسان، ما عدا المرضع فالفدية عليها واجبة، وسيأتي بيان وجه ذلك.    

   وبناء على هذين الأصلين فقد أوجب الشرع الكفارة على المتعمّد، ونصّ على مقدار الإطعام فيها، وهو إطعام ستين مسكينا، لكلّ مسكين مدّ واحد؛ وقد جاء ذلك في خبر الرجل الذي جامع زوجته في نهار رمضان، ففيه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه “عَرَقًا” فيه تمر وأمره بأن يكفّر به. وذكر راوي الحديث أنّ قدر “العرق” خمسة عشر صاعا(والحديث أخرجه أبو داود). وإذا كانت مكيلة الصاع أربعة أمداد، فإنّ الخمسة عشرة صاعا ستون مدّا، على عدد المساكين. والمراد بالصاع والمدّ، صاع النبي صلّى الله عليه وسلم ومدّه. وقد قدّر الشيخ الإمام محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى الصاع ـ كيلا ـ بلترتين ونصف عشر الليترة، فيكون مكيلة المدّ نصف ليترة. والكيل هو المعتمد في تقدير الطعام شرعا في الزكاة والكفّارات ونحو ذلك، بينما الوزن فهو خاص بالذهب والفضّة. فانظر كيف حدّد الشارع مقدار الإطعام بمدّ واحد لا أكثر للمسكين في كفارة المنتهك لحرمة الشهر، فهل يكون المعذور أسوأ منه؟ قطعا لا؛ فالشرع لم يوجب على المعذور كفارة وإنّما ندبه إلى فدية، ولم يحدّدها له. والأصل فيما هو مندوب أن يترك لتطوّع المكلّف ومسارعته في فعل الخير فيطعم بما يشاء، ولكن في مجال الإفتاء ـ حيث تعتمد الأدلة الشرعية في التقدير ـ ألحقها الفقهاء في المقدار بالمفطر عمدا، أي تقدير الإطعام بمدّ لكلّ مسكين، من باب إلحاق الشيء بشبيهه في الموضوع، الذي هو مطلق الفطر في رمضان، أي بغضّ النظر عن كون الفطر ممنوعا أو مأذونا فيه. وأمّا لماذا كان حكم المرضع الذي هو وجوب الفدية يختلف عن حكم المريض المزمن وكبير السنّ والحامل في كون الإطعام في حقّهم غير واجب، فذلك من باب الاحتياط الذي راعاه الإمام مالك في حقّ المرضع؛ لأنّها ليست مريضة حقيقة، وإنما أفطرت من أجل ولدها.

   ويتبيّن من هذا أنّ مقصد الفدية يختلف عن مقصد الكفّارة، فمقصد كفارة متعمّد الفطر في رمضان الزجر، وأمّا مقصد الفدية فهو تطييب نفس المعذور بتشريع الإطعام في حقّه، حتى يشعر بمشاركة الصائمين في صيامهم بما يتصدّق به من المدّ. فكلا الكفارة والفدية لاحظ فيهما الشارع عود نفعهما على نفس المفطر بتطييب الخاطر أو التربية والتأديب بحسب اختلاف سبب الفطر. ولا يُشعر النصّ الذي وجب به الإطعام في كفارة الفطر عمدا بأيّ معنى من معاني الإشباع الكامل للفقير خلافا لكفارتي اليمين والظهار. وإذا كان ذلك كذلك في الفطر عمدا، فأولى وأحرى أن يكون الإشباع غير مراد في فدية الفطر بعذر. على أنّ مقدار المدّ كفيل بتوفير وجبة من الطعام لفقير. ذلك أنّ المدّ المطلوب شرعا، سواء في كفارة الفطر عمدا أو في فدية الفطر بعذر، هو ربع صاع من قمح أو شعير أو تمر أو أقط، أو مما هو من غالب قوت أهل البلد، وقد قدّر الشيخ مفتي الجمهورية في السنة الماضية قيمة الصاع ـ وهو مقدار الفطرة ـ نقدا بدينار وثلاثمائة مليم، أي إنّ قيمة المدّ ثلاثمائة وخمسة وعشرون مليما، وهذه القيمة تكفي لأن يتحقق بها الحكم الشرعي من توفير وجبة من طعام لفقير. لكن الذي أدخل الخطأ في تقدير المغالين أنّهم ذهبوا يقدّرون قيمة الإطعام بما يسعّر به أصحاب المطاعم وجبات الطعام التي يقدمونها للحرفاء، وهو قصور في فهم الحكم الشرعي، إذ كيف يقدّر الإطعام بتسعير أصحاب المطاعم الذين يضمّنون تسعير هذه الوجبات تكاليف إجارة المحلّ وفواتير الكهرباء والماء والغاز وأجرة العملة والربح، فحوّلوا بذلك الفدية من معاني الرحمة والرفق بصاحب العذر الذي يجد ألما نفسيا كلّ سنة لعدم قدرته على صيام شهر رمضان، إلى معنى العقوبة المالية زيادة على الألم النفسي، إذ يكلفه ابتلاء الله تعالى له بالعذر، ضريبة مالية قد يكون أيضا عاجزا عن توفيرها. إنّ التقدير الشرعي للفدية أو للكفارات ينبني على ما هو متعارف بين الناس فيما يعدّونه لخاصة أنفسهم، دون وسائط، ودون نفقة زائدة لا تعود عليهم بالنفع.

   وبهذه المناسبة، أذكّر الذين يغالون في تقدير الفدية، وحتى في تقدير الكفارة للمفطر عمدا، أنّهم يقعون في مخالفات عظيمة، تحدّث عنها الفقهاء، تتعلّق بالذي يخرج أموال الناس من أيديهم بفتاوى بدون علم، فأوجبوا تضمينهم هذه الأموال لأصحابها، كما تحدّثوا عمّا هو أعظم من ذلك، وهو الافتيات على المشرّع والمزايدة على أحكامه، أي فكأنّ لسان حال الذي يزيد على التقدير الشرعي ينسب للشارع الحكيم الجهل والتقصير في تقديره، ما جعله يقوم هو بتصحيح الأمر. قال تعالى(فليحذر الذين يخالفون عن أمره)[النور: الآية 63]. والله أعلم.   

        

بقلم فضيلة الشيخ الحبيب بن طاهر   

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...
%d مدونون معجبون بهذه: