التشريع الاسلامي و المرأة

0 125

بقلم العلاّمة الجليل الامام النظار الشيخ سيدي
محمد العزيز جعيط (رحمه الله) المفتي المالكي و المدرس بجامع الزيتونة

كثيرا ما فوق المتعصبون من الغربيين سهام الانتقاد على الشريعة بتهمة الاجحاف بحقوق المرأة حتى أثّر ذلك على بعض المنتمين الى الاسلام ممن فتنهم زبرج التمدن الغربي فانصاعوا لأقوال أهله دون تمييز بين السمين و الطيب و الخبيث و أصبح النساء مثار فتنة من ناحية العدل في التشريع كما كنّ و مازلن حبائل فتنة من ناحية العفة و الاستقامة

لهذا آثرنا الحديث على مراعاة الشارع للمرأة في جميع أطوارها و عامة نواحيها حتى يتجلى لذي عينين محاسن هذه الشريعة المباركة فيما تضمنته تعاليمها من مراعاة مصالح النساء

[box type=”shadow”]المرأة في طور الطفولة[/box]

كان الجاهلية يرون أن البنات عبء ثقيل عليهم لأنهم لا يشددن ازر القبيلة ولا يمنعن طوارق الغارات ولا يقوين على القيام بمؤنة الأبوين و الاقارب وهن مع ذلك عرضة لهوان السبي وذلة الفجور وسبب للفاقة فكان نفورهم منهن عظيما وربما طغت وساوس النفور ببعضهم فدفعته الى وأد بناته تخلصا من شرهن ومازالت هذه الكراهة تساور نفوس بعض المسلمين الذين لم يرتاضوا بالآداب الشرعية وتنتاب قلوب الأجانب عن الدين الاسلامي الذين تعودوا تحمل تكاليف مالية في سبيل تزويج بناتهم فجاءت الشريعة الاسلامية السمحة بحماية البنت من خطر اثر النفرة ونهت عن وأد البنات فقال الله تعالى ولا تقتلوا أولادكم خشية املاق نحن نرزقهم واياكم ثم بينت ما يوجب استئصال النفرة من النفوس وينبهها من غفلتها بايقاظ الشعور بما تقوم به البنت من الخدم الجليلة و تجلبه من الانصار بسبب الاختان و الاصهار عندما تصير قيمة ببيت زوجها فقال الله تعالى في معرض التنبيه على أنعام الله على عبيده (و الله جعل لكم من جنسكم أزواجا و جعل لكم من أزواجكم بنين و حفدة ورزقكم من الطيبات) أي جعل لكم من جنسكم أزواجا لتأنسوا بهم وتقيموا بدلكجميع مصالحكم وجعل لكم من ازواجكم بنين يحمون ظهوركم وبنات يخدمن بيوتكم أتم خدمة وعبر عن البنات بالحفدة (و الحافد المسرع في الخدمة و الطاعة) ايذانا بوجه المنة (و هذا أحدا الأفهام في الآية وقيل المعنى جعل لكم من أزواجكم بنين و أعوانا من الأخدان و الأنصار وقيل غير ذلك) ولم تقف الشريعة عند حد ايقاظ التدبر المفضي لتقلص ظل كراهتهن بل ترقت فبينت أن العوامل التي كانت تدفعهم الى الكراهة تحمل في مطاويها سعادة الفوز بالنعيم المقيم و النجاة من العذاب الأليم فجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم “من ابتلي من البنات بشيئ فاحسن اليهن كن له سترا من النار” و التعبير بالابتلاء لجريان عادة الناس بكراهتهن كما قال تعالى (و اذا بشر أحدهم بالأنثى) الآية و لايقتضي الحديث أن لا يكن سترا الا لمن أحسن اليهن على تكره حي يتقرر كونهن بلية لان الحديث خرج مخرج الغالب و المسالك العربية تقتضي اهمال مفهومه و  الاحسان الوارد في الحديث لا يختص بناحية معينة بل يحصل بكل من اصل الانفاق والتوسع فيه والتشوير المباح والتغذية بلبان المعارف والتلقين للأخلاق الفاضلة و الخطاب بلين القول وطلاقة الوجه و اللقاء ببسط جناح العطف و الحدب ولا يلزم من ورود الحديث بسبب الاحسان بالاطعام قصره عليه لان السبب لا يخصص وكيف يصح ان يقتصر الاحسان على الامور المادية الخسيسة ولا يتناول الأمور المعنوية النفيسة وقد جاء في الحديث الصحيح “أيما رجل كانت عنده وليدة فعلمها بأحسن تعليمها وأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها و تزوجها فله أجران” فاذا كان لتعليم الولائد و تأديبهم أثر في نمو الأجر فكيف لا يكون لهما أثر في البنات وجاء في الحديث الصحيح “من عال جارتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة انا وهو وضم رسول الله صلى الله عليه و سلم أصابه يريد رفاقته معه في الجنة أو السبق الى دخولها معه” وهذا الفضل لمن قام بالمئونة والكفالة يستوي فيه من كان البنات له ومن كان البنات لغيره فهذه أدلة صريحة تحدثك باهتمام الشارع بالبنت قبل استقلالها

[box type=”shadow”]البنت في طور الشباب[/box]

راعت الشريعة ما تحتاجه المرأة من زواج تقتضيه الطبيعة ويتطلبه العمران وتنتظم به المصالح فامرت الأولياء بتزويج المرأة ومنعتهم من عضلها قال الله تعالى: (وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم و آمائكم) وقال جل ذكره: (واذا طلقتم النساء فبلغن أجلهم فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن اذا تراضوا بينهم بالمعروف) وسواء أقلنا أن الخطاب للأولياء كما يدل عليه حديث معقل بن يسار الوارد في الصحيح أم قلنا أن الخطاب للأزواج كما يقتضيه قوله واذا طلقتم النساء وان التعبير بالازواج عن الخطاب باعتبار المئال فالآية صريحة في النهي عن العضل ممن يمكن حصوله منه وقد احتاطت الشريعة للمرأة في شأن الزواج فقيدته بقيود تفضي الى سعادتها وتحفظها من طوارق المؤذيات ذلك أنها بنت النكاح على ما يثمر الحب ويتقاضاه حسن التدبير واعتبرت فيه ما يكون أكفل بدوام العشرة وحسن الألفة وأبلغ في حفظ الشرف

[box type=”shadow”]حسن الاختيار واشتراط الولي[/box]

لم تجعل الشريعة للمرأة الاسلامية الاستقلال بابرام النكاح بل جعلت اختيار الزوج لها و أوقفت ابرام العقد على موافقة وليّها لأن النساء سريعات الاغترار بالظواهر و الانقياد الى البوارق فربما اخترن غير الأكفاء فتجر عن مرارة سوء الاختيار وأصاب سوء الاختيار شظاياه أولياءهن فراعى الشارع مصلحتهن واشترط الولي في النكاح وحماهن من جور الأولياء فنهاهم عن العضل ومكن المعضولة بغير حق من ادراك بغيتها بانهاء أمرها الى الحاكم حتى اذا تبين له جور الولي تولى الحاكم ابرام العقد اذا لم يمتثل الولي لابرامه وهذا نهاية المبالغة في الاحتياط لها فاشتراط الولي في حق المرأة ليس اجحافا بحقها كما يتوهمه قصار النظر بل لتوفية الاختيار حقه من السداد و أهمل اشتراط الولي في جانب الرجال لا مكان انحلالهم من ربقة النكاح بالطلاق وقد أدرك المضطلعون الراسخون في معرفة المقاصد الشرعية حكمة حسن اختيار الأزواج و حافظوا عليها بيد أنهم اختلفوا في طرق الحفظ فأكثرهم اختار في سبيل حفظها اشتراط الولي لظواهر كثيرة ولهذا اخترنا بناء الكلام عليه وبعضهم اختار في طريق حفظها اعتبار الكفاءة فاذا حافظت المرأة عليها فلا متكلم لوليها ولها مباشرة العقد واذا اهملتها وأبرمت عقدة النكاح كان للولي نقض غزل هذا النكاح

[box type=”shadow”]الصداق[/box]

احتاطت الشريعة للمرأة فأوجبت الصداق قال تعالى (و ءاتوا النساء صدقاتهن نحلة) وذلك لمعان الأول ما فيه من استهداء نفسها وبذر محبة الرجل في قلبها و المحبة دعامة الألفة وجناح حسن العشرة واستمالة النفوس بالاحسان أمر معروف ويشعر بهذا المعنى وصف الصدقات بانها نحلة الثاني ما في الصداق من ادخال السرور عليها باظهار الرغبة في النساء له مكانته من نفوسهن وفي تحرج بعض أمهات المؤمنين ممن عرضت نفسها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وانكار بعض بنات الصحابة على من عرضت نفسها من النساء على بعض الفضلاء دليل بيّن على ذلك الثالث ما في الصداق من دواعي الانقياد الى سلطان الزوج ونفوذه الأمر الذي يدعو الى التوافق بين الزوجين ويمكن الزوج من تقويم اعوجاج زوجه وصدها عما يغض من شرفها بتطرق الريبة لها كخروجها دون رضاه و الاذن لمن يكره في الدخول الى بيته وقد وقع الافصاح بهذه الحكمة في قول الله تعالى (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) الرابع ما في الصداق من تثبيط الرجال عن الطلاق حتى لا يذهب عليهم ما أعطوه في سبيل الاستحصال على المرأة سدى ويزيد الله الذين اهتدوا هدى .

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...
%d مدونون معجبون بهذه: