المقاصد الشرعية في شعيرة الحج

0 81

بقلم الدكتور : نورالدين الخادمي

المقاصد الشرعية هي غايات التشريع الإسلامي وأهدافه وأسراره وحكمه المبثوثة في أدلته ونصوصه ، وفي أحكامه وتعاليمه .
ومثال ذلك : مقصد التيسير والتخفيف الثابت بقوله تعالى : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } الآية ، وقوله تعالى : { يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً } الآية
ومقصد دفع الأذى وإزالة الضرر المستفاد من قوله تعالى : { يسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض } الآية
والمستفاد من قوله صلى الله عليه وسلم { لا ضرر ولا ضرار } الحديث .
والحق أن الأمثلة والشواهد تجاه المقاصد الشرعية كثيرة ومتنوعة بكثرة وتنوع الأدلة والأحكام والقرائن والتعاليم الشرعية ، ولا يكاد يخلو حكم شرعي من تضمنه لمقصد إسلامي أو حكمه شرعية ، سواء بالتنصيص المباشر عليها ، أو بالإيحاء والإيماء اليها ، او بإندراجها ضمن كبرى المبادئ والمقاصد والغايات التشريعية الإسلامية .
وقد اصطلح العلماء والفقهاء والمجتهدون والباحثون على تسمية هذه الحكم والأسرار والغايات بمقاصد الشريعة ، أو مقاصد الشرع ، أو المقاصد الشرعية .
وقد أصبحت هذه المقاصد علماً شرعياً وفناً معرفياً يتوالى أهل العلم واربابه على تناوله وبحثه ، تدريساً وتعليماً بحثاً وتحقيقاً تأليفاً وتصنيفاً إفتاءاً واجتهاداً .
ويهدف هذا العلم الشرعي الأصيل إلى تحقيق عدة فوائد وآثار منها :
الفائدة الأولى : إبراز حكم التشريع ومراميه وأسراره ، وهذا الأمر يحقق مبدأ كون الشريعة الإسلامية مشروعة لمصالح العباد في الدنيا والآخرة وكونها موجهة لصلاح الكون وإصلاحه بالعمل والنماء والنتاج ، وترشيده بالعبادة والطاعة والامتثال .
الفائدة الثانية : عون المجتهد على فهم الدليل واستنباط الحكم ، وإيجاد الحلول الإسلامية في مشكلات الناس وحوادث الزمان ، ومستجدات الحياة وقضاياها ونوازلها .
ذلك أن المجتهد إذا علم مثالاً أن الشراب المسكر قد حرم لتحقيق مقصد حفظ العقل البشري ، فإنه أي المجتهد سيلحق بذلك الشراب المسكر أي شئ آخر يسكر ، سواء أكان من نفس جنس ذلك الشراب ، كالنبيذ والبيرة وغيرهما من المسكرات ، أم كان من غير جنس ذلك الشراب ، كالمخدرات والمفترات وكل صنوف الملهيات والمشغلات ، والتي تصرف العقل الإنساني عن القيام بدوره في التأمل في أيات القرآن والزمان ، وفي التفكير فيما يصلح حال النفس والحياة والكون والحق أن المجتهد إذا حكم على كل أنواع الإسكار والتلهية بالتحريم والمنع ، فإنه يسعى بذلك إلى تحقيق نفس المقصد الذي تضمنه تحريم الشراب المسكر ألا وهو مقصد حفظ العقل وصيانته من كل ما يعطله عن القيام بدوره المشروع ورسالته البناءة في التفكير والتدبير ، واختيار أفضل المسالك وأحسن الطرائق في نظام المعاش وحياة المعاد .
الفائدة الثالثة : عون المكلف على القيام بعبادته وطاعته ومعروفه ، وذلك أن المكلف إذا علم أن الحكم الفلاني يهدف إلى تحقيق المقصد الفلاني ، فإنه يستعمل جاهداً على تحقيق ذلك المقصد ، ويكون ذلك بالإقدام على إنجاز الحكم بأحسن صورة وأفضل طريقة .
وخذ اليك المثال التالي حتى يتضح المراد ويتبين المقصود :
إذا علم الحاج أن من مقاصد الحج تحقيق الأدب الرفيع والخلق العالي مع الحجاج والمرافقين والمتعاملين ،ومع الدواب والأنعام والأشجار والمنشآت وسائر مظاهر الحياة ومكونات البيئة ، فلا يؤذي أخاه بالرفث والفسوق والسب والشتم والسخرية والبخس  والغرور والغش والاعتداء بكل صوره وأوجهه .
ولا يؤذي الدواب والأشجار والأعشاب والمرافق والمنشآت بالإفساد والتدمير والتخريب .
ولا يؤذي نفسه بتعذيبها بكثرة المشاق الزائدة على التكليف ، وحرمانها من المباح والمشروع والحلال .
أعود فأقول : أيها الحاج أن من مقاصد الحج تحقيق الأدب الكامل مع الناس والحيوان والجماد أثناء عبادة الحج ، فإنه سيعمل جاهداً على التحلي بذلك الأدب والإتصاف بسائر خصال الحج المبرور والعبادة الصحيحة والكاملة وذلك من أجل إرضاء الله تعالى الذي قصد ذلك الأدب واراده من عبادة وخلقهأما إذا اكتفى الحاج بالقيام بمظاهر الحج وصوره وكيفياته المجرده عن معانيه وأخلاقه ومراميه ، فغنه لن ينال من حجه سوى التعب والنصب ، ولن يحصل له سوى الانتقال والترحال ، ولن يغنم إلا الألقاب والأسماء والشهرة ز
والمتأمل في نصوص وأحكام الحج ليدرك تمام الإدراك ان مشروعية الحج ومقصديته ومنظومته ترنو إلى بناء الإنسان الصالح وتأسيس العلاقات الإنسانية الراقية والفاضلة ، وبناء الخلق والأدب ومن النصوص الداعية إلى تقير آداب الحج وفضائله : قوله تعالى : { الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج } .
وقوله صلى الله عليه وسلم ( من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ودلته أمه ، وقوله الحج المبرور ، ليس له جزاء إلا الجنة ) .
وليس معنى الحج المبرور إلا أداء فريضته وأعماله بأحسن الصور وأفضل الطرق التي تجمع بين فعل الظواهر وتخليص السرائر من كل ما يخدش الاعتقاد الصحيح ، ومن كل ما يقطع التعامل النبيل والخلق الأصيل .
وبعد أن بينا حقيقة المقاصد الشرعية وفوائدها وأهميتها للمكلف والمجتهد ولكل الناس ولسائر شؤون الحياة ومجالاتها ، فبعد كل ذلك يمكن القول بأن المقاصد الشرعية مبثوثة في جميع الأحكام الشرعية وكافة فرائض الإسلام وأدابه ومطلوباته .
ومن بين ذلك نجد فريضة الحج ، فقد انطوت على عدة مقاصد شرعية تعود بالخير والصلاح والنفع في العاجل والآجل .
ومن هذه المقاصد ، وفضلاً عن مقصد تحقيق العبودية والامتثال في كيان الإنسان الحاج ، وفضلاً كذلك عن مقصد التذكير بمصير الإنسان وحسابه وجزائه في الآخرة ، فضلاً عن كل ذلك نجد مقاصد تتصل بحياة الفرد والمجتمع والأمة ، من حيث الأمن النفسي والإصلاح والتضامن والمواساة والمساواة والوحدة والقوة والانتماء ، والمجاهدة والتقدم على جميع الأصعدة والمستويات .

28 ذو القعدة 1421 ه – 22 فبراير 2001 م

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...
%d مدونون معجبون بهذه: