زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار

0 100

يفتقر الجدل في تونس حول دور الإسلام في التغيير والنهوض إلى الإسهام الزيتوني، لا لقلة علماء الزيتونة ومفكريها وطلبتها أو شح في إنتاجهم العلمي، بل لمراكمة ثقافة إقصاء من جهة وإقصاء ذاتي من جهة أخرى لعقود عديدة، انتهت بتراجع الوعي الجمعي بواجب وصل الرباط بين العلم الشرعي ومصالح الناس.

عندما يغيب الخطاب التأصيلي القادر على فهم النص ضمن مقاصده وعلى تفكيك الواقع بمقتضى الرؤية الإسلامية لتحقيق المصالح، فلا نعجب لوهن الفتوى ولانتشار التشدد ولكثرة المتعالمين بين الناس. ولا يستقيم أي عمل يرنو إلى الإصلاح الإسلامي سواء في المستوى التربوي أو السياسي أو الاقتصادي في هذه الديار الزيتونية دون مرجعية شرعية زيتونية. ولكن ذلك يفرض على الزيتونة أن تكون مواكبة لقضايا عصرها وقادرة على فهمها والإجابة عن تحدياتها. ولا يتحقق ذلك إلا بمراجعة برامجها من جهة والوعي بمكانتها الإصلاحية الفكرية من جهة أخرى حتى يتجدد إسهامها في القضايا المصيرية المتعلقة بالتصدي للاستبداد والفقر والجهل والتردي الأخلاقي الاجتماعي. يجب أن تعود الزيتونة منارة وطنية تشع على أبناء وطنها وعلى المسلمين في العالم بأسره. فلها من الرصيد التاريخي والبشري ما يؤهلها لاستباق القضايا التجديدية واستشراف أولويات قضايا أمتنا الإسلامية. ولكن لا يمكن أن تنهض الزيتونة إن لم تستوف شروط نهضتها العلمية. فالعلوم الشرعية التي تتميز بها يجب أن توظف لاستيعاب المرحلة التاريخية التي نعيشها بكل تعقيداتها وتشعباتها. وهي مرحلة تتسم أساسا بالتبعية المعرفية الكلية لشخصية المسلم ولمجتمعاته للنموذج الغربي المهيمن. وبقدر ما تحدث التبعية المعرفية قابلية للتغريب بقدر ما تدفع انفعالا نحو تقليد السلف وتمجيد الماضي بل والموت فيه. ولا يختلف أهل العلم في أن المقصد من تحصيل العلوم الشرعية والاجتهاد فيها إنما هو بذل الوسع في استعمال مناهجها والاستفادة من نتائجها لتحقيق مناط الشريعة ورعاية مصالح الناس. فعلوم الشريعة ليست علوم ماضي الناس بل حاضرهم. لذا وجب تجديد قضاياها والوسائل المعرفية لتطويرها. ولعل من أخطر وجوه الخلل في تحويل العلوم الشرعية إلى علوم تراثية هو عزوف أهلها عن العلوم الإنسانية رهبة وخوفا. والحال أن العلوم كل العلوم ليست سوى مقاربات منهجية مختلفة في الإدراك. والمناهج لا يمكن أن تكون سوى مساعدة على التفكير السليم بالشكل الذي يحمل الإنسان مسؤوليته التكليفية التاريخية. فإذا كانت العلوم الشرعية حمالة لمناهج مساعدة في مقاربة الشريعة ومقاصدها فإن العلوم الإنسانية تفيد بمناهجها في إدراك الظاهرة الاجتماعية وقوانين الحراك السياسي وبها يتمكن الباحث من الولوج إلى ماهية العقل الغربي الذي يؤسس للنظام القيمي الوضعي الذي استعيض به عن النظام القيمي الديني. ولا يمكن للعقل الإسلامي أن ينهض فينهض الأمة إن لم يستوعب اللحظة الغربية المهيمنة بمعارفها وسياساتها. وإذا كان المقصد من العلوم الشرعية تحقيق السعادة للإنسان عامة على اعتباره المستخلف في الأرض فوجب أن توجه دراستها اليوم نحو معرفة مذاهب الإنسان الفلسفية والدينية وتجاربه الميدانية الحضارية وكذا طموحاته وآماله وهمومه وهواجسه.

آن الأوان كي تتضاءل الهوة تدريجيا بين علوم الشريعة وعلوم الإنسان حتى تتحد ضمن العلوم الاجتهادية. فلا يعدو الإنسان في علوم الشريعة إلا أن يكون مجتهدا في فهم تعاليم الدين ومقاصده ويمكن أن نعتبر جهد الباحث في العلوم الإنسانية اجتهادا بالمعنى الديني إن كان الإيمان بموافقة العقل للشرع منطلقه ومقصده وهو يحاول أن يؤسس لقواعد منهجية في فهم الظواهر الاجتماعية. وكلما وافقت علوم الغيب علوم الحياة أمكن استعادة مكانة عالم الزيتونة ودوره في حياة الناس.
د. محمد المستيري

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...
%d مدونون معجبون بهذه: