ضحايا تجارة التكفير

0 162

لا يمكن أن نجد أصولا للتكفير الدنيوي للمؤمن في الفكر الإسلامي بل لم يتعلق الخلاف بسوى منزلة المؤمن مرتكب الكبيرة في الآخرة يصل مصيره بمصير المؤمنين حقا أو بخلود الكافرين في النار. ورغم إجماع أهل الأصول على عدم جواز تكفير المؤمن في الدنيا بذنب اقترفه فيما عدى الأزارقة من الخوارج الذين كفروا القاعدين عن الجهاد معهم، إلا أن التوظيف السياسي لهذه الإشكالية في مراحل كثيرة من التاريخ الإسلامي حولت التكفير من تكفير أخروي إلى تكفير دنيوي يستبيح عصمة المخالف ويساوي بين كفر النعمة الذي قد يطرأ على المؤمن الجاحد وكفر الملة الذي يخرجه من الدين.

ولا شك أن الواقع المعاصر بفلسفاته الشعوبية المتعددة التي آمنت بالاستعمار والفاشية والنازية وحروب التطهير العرقي باسم نقل قيم الحداثة، إنما عمقت ثقافة تصفية المخالف في الفكرة عامة أو الحضارة أو الدين خاصة. فلا بد أن نصل ثقافة التكفير الديني في التراث الإنساني الإسلامي والمسيحي وغيره بثقافة الإقصاء المدني في الواقع المعاصر حتى نعي مدى خطورة الظاهرة العولمية التي تداخلت فيها الثقافات المعاصرة وتحولت من المشتركات الحضارية بينها. فكما وظفت فكرة التكفير أو الإقصاء الدموي سياسيا قديما توظف اليوم كذلك ضمن أجندات جيوسياسية كبرى. وكثيرا ما تلتقي أيديولوجيات إقصاء المخالف باسم الحداثة مع عقائد التكفير باسم الدين في مستوى تنزيلاتها العملية، فلا غرابة حينئذ من تشابه أو حتى تماهي التكفير مع الإقصاء في النتائج الكارثية على الإنسانية. لقد تحولت ثقافة الإقصاء والتكفير إلى صناعة للإرهاب تخفي تجارة للبشر أو للسلاح أو للمخدرات وسياسة للتخويف من الإسلام وللتنافر بين الشعوب. الإرهاب ليس سوى إسم وهمي أو افتراضي لمسمى ثقافة الإقصاء المشتركة بين تجار الدم والسلع المشبوهة.

فإذا أردنا أن نواجه الإرهاب فلا بد أن نواجه ثقافته الإقصائية التي تستظل بها تجارة الرق الجديدة والهيمنة الاستعمارية الجديدة. صناعة الإرهاب لا لون لها ولا ثقافة ولا دين، فهي ذريعة لكل مروج لتجارة مشبوهة ولأفكار متعصبة ولسياسات عنصرية. صناعة الإرهاب هي التي تستظل بها ثقافة الإسلاموفوبيا وثقافة “الإسلام التكفيري” في الآن نفسه. تجمع المتناقضات ضمن رؤية واحدة للعالم، لا تريد للشعوب المتحررة اتحادا ولا تريد للأمم المستعمرة تحررا. فالتكفير أو الإقصاء هو دافع الإرهاب ومشروعية وجوده والمتاجرة بالبشر من خلال شبكات التهريب إلى مناطق الاحتقان وما تفرضه من تجارة الأسلحة والمخدرات، هي من أردأ الطرق المستعملة لتحقيق أهداف ثقافة الإقصاء وسياسة الإرهاب التي هدفها انتهاك كرامة الإنسان وضرب قيمة الرأسمال البشري داخل كل ثقافة. إن ضحايا ثقافة الإقصاء والتكفير هم ضحايا شبكات الإرهاب الدولية التي تتاجر بالإنسان مهما كان دينه ولونه. فلا عجب أن نرى وشما ذا دلالة جنسية على أحد ضحايا هذه الثقافة الذي يدعي أو ندعي له انتسابا “للجهادية الإسلامية”.

فالأصل لا الاستثناء اختلاط الهويات الدينية والثقافية داخل هذه الثقافة الإقصائية الجديدة التي تريد لمجتمعنا الإنساني اللاكرامة واللاإنسانية في تفكيره وفي نمط علاقاته. إن تنامي ثقافة معاداة الإسلام باسم الإسلاموفوبيا وانتقالها من عقدة خوف مرضية إلى سياسات تخويف رسمية يجب أن لا يقل خطورة عن تنامي ثقافة معاداة الغرب بكل منتجاته الحضارية ومعارفه العلمية باسم النصرة للإسلام. كلاهما يغذي استعداء الكرامة البشرية التي خلقنا الله عليها ويدفع نحو جهل أو تجاهل الحكمة بين الشعوب وواجب وحدتها من أجل التصدي للعولمة الجديدة بعد عولمة رأس المال، التي بشر بها هنتنغتون وفوكوياما وكابال وغيرهم من فلاسفة الحتمية اللبرالية التي قادت إلى صناعة حروب “حقوق الإنسان” في أوطاننا، هذه العولمة الجديدة هي عولمة الإرهاب وكأنه القدر المحتوم الجديد على البشرية. إن على المؤسسات الأكاديمية والبحثية الجادة والمؤمنة بالقيم الإنسانية أن تتجه لبحث أوجه التقاطع والتثاقف بين التكفير الديني والإقصاء المدني، وبين ثقافة الإقصاء وسياسة الإرهاب، من أجل القيام بدورها الأساسي في نشر ثقافة الكرامة الإنسانية وحق الشعوب في احترام خصوصياتها الثقافية.

إننا نواجه ثقافة “عدمية الإنسان المغاير” لا من السياسات فحسب ولا من الجماعات المتطرفة فحسب بل ومن الكثير من المؤسسات السياسية اللوبية المنتشرة كالداء العضال في جسم أمتنا، والتي غايتها التنظير والتخطيط لصناعة بؤر التوتر والإرهاب في أوطاننا. فكلما برزت أصوات حرة بين الشعوب تنادي بالكرامة إلا وسل سيف أو أشهرت شبهة الإرهاب ضدها. إننا نخوض معركة مباشرة بين ثقافة العنف وثقافة السلم، بين ثقافة حتمية الصراع وثقافة واجب الحوار، بين ثقافة الاستعمار الجديد وثقافة التحرر منه. هي معركة ثقافية بالأساس من أجل نشر الوعي ومن ثم التربية فالسياسات التي تنزلها.

د. محمد المستيري

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...
%d مدونون معجبون بهذه: