ظاهرة الاستقبال الجماهيري للمشايخ و الدعاة : الدلالات و النتائج

0 64

ظاهرة الاستقبال الجماهيري للمشايخ و الدعاة : الدلالات و النتائجتتكرّر صور الاستقبال الجماهيري للمشايخ و الدعاة في تونس، لتتحوّل إلى ظاهرة بحاجة إلى النظر و التدقيق. و الأمر سيّان إن كانت هذه الصور عفوية أو بفعل التحشيد. فالعفوية أو فعل التحشيد يؤديان إلى النتيجة نفسها و هي التي نلامسها اليوم من خلال الاستقبالات الجماهيرية لزيارة الشيخ محمد حسّان.
و أقدّر بأننا بحاجة إلى دراسة هذه الظاهرة ، دراسة علمية ، موضوعية ، تخصصية يقودها علماء النفس و الاجتماع ; بعيدا عن التوظيف السياسوي أو الأمني أو الايديولوجي..فالخطاب الديني اليوم يفرض نفسه كأبرز الخطابات جذبا للجماهير. ما هي الأسباب و الدواعي؟
السؤال الأول الذي يفرض نفسه هل سمة الجذب و التعاطف مع الخطاب الديني ظاهرة جديدة زمنيا؟ أم أنها سمة جوهرية فيه؟. أظن بأن أي محلل موضوعي سيصل إلى نتيجة جليّة بأن فعل و تأثير الدّين سمة ملازمة لتاريخ الإنسان في الشرق أو في الغرب. و تكون الصورة أوضح و أجلى مع الإسلام. فالإسلام أحدث تغييرا جوهريا في عقلية و نفسية العرب و جعل منهم بناة حضارة و ناشري قيم الحرية و العمل و قوة تأثير عالمية. و لا يزال الخطاب القرآني و أحاديث النبي صلى الله عليه و سلّم و سير الصحابة تُلهم الشعوب و تُعيد إليهم أمل النهوض من جديد. ربما كانت لبعض الايديولوجيات تأثيرا في مرحلة ما، إلا أن تأثيرها لا يُقارن من حيث الامتداد الزمني و التوسّع الجغرافي و العرقي. و هذه إحدى مكامن قوّة الدّين. و ربّما يدّعي البعض أن الدّين يبيع الوهم ليلتقطه بعض تجّار السياسة ليبنوا عليه مكاسبهم الفردية و الحزبية. و أنّ الدّين لا يبني تنمية و لا يُقيم دولة !. و لدحض هذه المقولة نبّه ابن عاشور إلى ضرورة التفريق بين مجموعة من الأوصاف التي تلحق بالأديان :
الحقائق : ” فالحقيقة في كلامنا الشيء الذي حق ، أي ثبت وجوده في الخارج و نفس الامر لا يشوبه شيء من الشك أو التوهم . و ذلك أوضح الوجود فيكون وجودها بنفسها في نفس الامر فكأنها متحيزة في العالم و في ادراك العقل لا ينكر وجودها الا السوفسطائية المنكرون لحقائق الاشياء ” ( ابن عاشور: النظام الاجتماعي في الاسلام ، دت ، ص 29 )
الاعتبارات : ” هي المعاني التي توجد في اعتبار المعتبر بحيث لا مندوحة للذهن عن اعتبارها ، لأن لها تعلقا بالحقائق و لكن وجودها تابع لوجود الحقيقة ” ( المصدر نفسه )
الاوهام : يستخدم ابن عاشور مصطلح الوهميات و يعرفها بأنها ” المعاني التي يخترعها الوهم من نفسه دون أن تصل إليه من شيء متحقق في الخارج ” و الوهم ” هو مركب من الفعل و الانفعال لأن الذهن فيه فاعل و منفعل فهو يخترع المعنى الوهمي ثم يدركه ” ( ابن عاشور ، ،ص 29 ) .
المتخيلات : هي ” المعاني التي تخترعها قوة الخيال بمعونة الوهم ، بأن يركبها من عدة معان محسوسة محفوظة في حافظة الذهن ” ( ابن عاشور ، ص 30 ).
و يؤكّد ابن عاشور أنه عند التحقيق في هذه الادراكات الأربعة سابقة الذكر ” ليس منها فطري غير الحقيقة و الاعتبار المتّصل بالحقيقة “. بمعنى أن تفسير الدّين و الالتزام الديني في صورته الفطرية التي تتوافق مع العقل و تعتبر المصلحة و تتفاعل مع الواقع هي تلك التي تتأسّس على الحقائق . و ” وصف الاسلام بالفطرة لا يقصد به أنه الفطرة الظاهرية الجسدية لأن الاسلام عقائد و تشريعات و كلها مدركة بالعقل ، و إنما المقصود أنه الفطرة الباطنية العقلية ” ( ابن عاشور ، ص 17 ). و بهذا الفهم و على هذا الأساس يتهافت قول المشكّكين.
ما هي دلالات الاستقبالات الجماهيرية ؟ تتعدّد الاجابات و و يقرأها كل قارئ من خلاله رؤيته للدّين و منها:
نتيجة طبيعية لمخطط تجفيف الينابيع الذي سعت من خلاله دولة الاستبداد و الفساد تشويه الانتماء الديني للشعب. و هي ردة فعل طبيعية و عطش لماء حُرموا منه، و الضمآن يكون شرها في الشرب ظنا أنه بذلك يبلغ حد الارتواء.
في مناخ الحرية يميل الشعب إلى اختيار من يمثّل هويته و أصالته ، و الدّين هو المكوّن الأساسي للهوية. فعندما يمتلك الش عب حرية الاختيار، يكون الخطاب الديني أقرب لنبضه لأنه ينبع من ذاته.
دليل فشل ذريع للخطاب العلماني. هذا الخطاب الذي احتمى بكل القيم السالبة في الدولة و المجتمع لإبعاد الخطاب الديني و استحواذه على عقل و ثقافة و سلوكيات الافراد.
إن البلاد في مفترق الطُرق و لم يستو الب ناء على سوقه بعد، و في هذه المرحلة تتحكّم العواطف في الرأي العام، و يكون أكثر عرضة للانزلاق . فالعواطف تجيّش و لا تبني ! و ظاهرة الاستقبالات الجماهيرية هي تجييش عاطفي لا أكثر و هي سمة للمراحل الانتقالية .
دليل فشل ذريع للسياسي الذي يتلهّى في صراعاته البينية . فالشعب قد ملّ الخطاب السياسي الذي انحدر إلى اهتمامات جزئية بعيدة عن هموم الشعب و حاجياته. فاستقبالاته الجماهيرية و انجذابه إلى الخطاب الديني هو رفض للطبقة السياسية و خطابها، و دليل عجز لها.
فشل النخبة المثقفة التي تعالت عن الشعب بمفردات خطابها و أدوات فعلها. إضافة لاستخدامها أساليب صادمة للذوق الجمعي و لقيم المجتمع.
و يمكن أن نسترسل في الدلالات إلا أنه يجب علينا التنبّه إلى مجموعة من النتائج التي يمكنها أن تقدّم اشارات على طريق الاصلاح و التأسيس :
إن العلاقة بين السياسي و الدعوي هي في نفور مستمر. فكلما ركب الدعوي مركب السياسي، خفت تأثيره و شوّهت صورته و تم النّيل من قدسيته. و إذا ركب السياسي مركب الدعوي، انكشفت البواطن بالتوظبف و نِيل من الدعوي و دُجّن دوره. و في الصورتين تضيع المعرفة و تتيه السياسة و يستمر الضياع.
إن ” صيحات الفزع ” من ” الغزو الوهابي ” دليل على ضعف ” المشيخة التونسية “. ف “المشيخة المشرقية” التي تجد القبول الجماهيري، ليس لأنها تمتلك الدليل و الفهم الصحيح. و لكن في اعتقادي لغياب دور ” المشيخة التونسية ” و اقتصار دورها على رد الفعل و التحذير و اطلاق صيحات الفزع. فصيحات الفزع لا تبني الدليل و لا تؤسس للفهم الصحيح. و المطلوب هو اصلاح عميق يجب أن يطال ” المشيخة التونسية “. و في التراث العلمائي التونسي ما يكفي للمواجهة العلمية و لكن يجب أن يتصدّرها علماء و مشايخ و دعاة حقيقيين .على المجتمع و الدولة العمل على انجازاسترتيجية استثمار للخطاب الديني لنجاح المرحلة الانتقالية و بناء تجربة فريدة تجمع بين التنوّع و الهوية، بين الحرية و المسؤولية، و بين الحقوق و الواجبات. فالدّين مقوّم أساسي للهوية و أداة تشكيل للتنوّع و عامل تأسيس للحرية و أسلوب بناء للمسؤولية و منهج تحديد للواجبات و قوّة نفاذ للحقوق.
على النخبة أن تصحى من غيبوبتها و عنادها و عداءها لكل ما يتعلّق بالهوية و الدّين أساسا. فاعتبارالدّين وهم مقولة ينقضها العلم و التاريخ و السياسة و الواقع الاجتماعي. و فرض ” الرؤية الفلكفورية ” للتراث الديني، انقضى عهدها و سقطت بسقوط دولة الاستبداد و الفساد.

ابراهيم بالكيلاني ( النرويج)

المصدر: الحوار نت

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...
%d مدونون معجبون بهذه: