علماء الزيتونة والمجلس التأسيسي سنة 1956

0 87

باسم الله الرحمان الرحيم

 وصلّى الله على سيدنا محمد الرسول الأمين

 علماء الزيتونة والمجلس التأسيسي سنة 1956

     نحاول أن نرصد دور علماء الزيتونة في توجيه بعض قرارات المجلس التأسيسي المنعقد ما بين سنة 56 و59، هذا المجلس الذي رأوه يُعدُّ لتشكيله بعيدا عنهم، وهم الذين يمثّلون تاريخَ البلاد وهويتَها، ولطالما كان لجامعهم المعمور الفضلُ العظيمُ على البلاد برفع ذكرها عاليا في العالمين، بما تخرّج به من علماء عظام كانوا أركانا في المعرفة الدينية والاجتماعية والتربوية، وما تأسّس في فضائه على أيدي علمائه من العلوم وما نشروه منها في الآفاق.
     ورأوا أنفسهم ملزمين ببحث قضايا هي في نظرهم من المسلّمات الدينية، والعلم بها من الضروري من دين الإسلام التي لا تحتاج إلى نظر واستدلال. وأهمّ هذه القضايا وأخطرُها: علاقة الدين الإسلامي بالدولة، وما أثير عنها من شبهات وشكوك، من جهات تحمل ثقافة غريبة كلّ الغربة عن ثقافة هذا الوطن المتأصّلة فيه قرونا متطاولة.
     لذلك لا بدّ ـ في البداية ـ من وقفة قصيرة عن مسالك هذه الثقافة التي وجد علماء الزيتونة أنفسهم في مواجهتها في موضوع «علاقة الدين بالدولة»:
     ـ لقد عمل الاحتلال الفرنسي، من أوّل ما وطأت قدماه تونس، على تشجيع المرافقين له من الفرنسيين المدنيين على تكوين جمعيات ثقافية؛ لهدف نشر الثقافة الفرنسية وقيم الحضارة الغربية وفلسفاتها، ومن أوائل هذه الجمعيات: «الرابطة الفرنسية بمدينة تونس» تأسست سنة 1884، و«الرابطة الفرنسية للتعليم» و«الجمعية التونسية للآداب والعلوم والفنون» والذي أطلق عليه فيما بعد اسم«معهد قرطاج» وذلك سنة 1889.
     ـ قيام النخب التي سافرت أواخر القرن التاسع عشر لبلدان أوروبا وخاصة فرنسا للدراسة، ثمّ رجعت بعد إتمام دراستها، وقامت بنشر ما تأثّرت به من ثقافة الغرب، من خلال الجمعيات التي أسستها هي أيضا.
 وقد تشكّلت في تونس، من خلال مختلف الاتجاهات الفكرية والسياسة والثقافية الغربية، اتجاهات مطابقة لأصولها الغربية، من يسارية وليبرالية ولائكية، وكلّها تتفق في اتخاذ موقف من الدين، يترواح بين تحييده عن الحياة والمجاهرة بمعاداته.

 حضور علماء الزيتونة في المجلس التأسيسي:

 يلاحظ ما يلي:

  •  لا نجد لعلماء الزيتونة حضورا، خاصّة أولئك الذين كان لهم تأثير كبير في مجرى الحياتين العلمية والسياسية، وكانوا يمثلون القيادة العلمية والروحية للشعب التونسي، مثل: محمّد الفاضل بن عاشور والنخبة الزيتونية التي من حوله.
  •   إنّ موقف بورقيبة المعروف من الزيتونيين ومن التعليم الديني جعله لا يسمح بفسح المجال لهذه الشريحة الاجتماعية أن يكون لها موضع قدم في السلطة وموقع القرار في مستقبل البلاد. لذلك لا نجد في المجلس التأسيسي سوى عدد ضئيل من خريجي جامع الزيتونة لا يتجاوز السبعة (7)، وهم الذين أسّسوا الكتلة الزيتونية وتحالفوا مع بورقيبة، ولم يكن لهم تأثير ولا موقع قيادة في ذلك الوقت كالشيخ محمد الشاذلي النيفر. وهؤلاء ترشحوا في قائمة الجبهة القومية التي ضمّت الحزب الدستوري الجديد والاتحاد العام التونسي للشغل[1].
  •  هناك تيار كبير من الزيتونيين كان لهم تأثير في مجرى الحياة السياسية، وهم أنصار الحزب القديم، وهؤلاء قاطعوا الانتخابات، ليس لاعتبارات علمية شرعية، بل لتحالفهم مع صالح بن يوسف الذي دعا التونسيين للمقاطعة لرفضه ما يسمّى بالاستقلال الداخلي، واعتبره «خطوة إلى الوراء»[2].
  •  بطبيعة الحال لم يكن لحزب الشيوعي أن يسمح بترشيح علماء الزيتونة ضمن قائمته.

 ونحن نتحدث هنا عن علماء دين، وعن حضورهم في المجلس التأسيسي بصفتهم هذه.

والوثائق تثبت أنّ عدد خريجي الجامعات الغربية في المجلس التأسيسي ستٌّ وعشرون نائبا(26)، بينما كان عدد خريجي الزيتونة لا يتجاوز السبعة نواب (7)[3].

ـ يقسّم بعض الباحثين نواب المجلس التأسيسي إلى ثلاثة اتجاهات:

  • اتجاه أصولي يمثله النائبان نصر المرزوقي والشاذلي النيفر.
  •  اتجاه لائكي متغرّب يمثله أعضاء الحكومة آنذاك كالحبيب بورقيبة والباهي الأدغم وأحمد المستيري.
  • واتجاه ديمقراطي ليبرالي يمثله النائب محمود الغول والنائب المستقل محمود الماطري وجلول بن شريفة.
     وقد دافع كل من الاتجاه الأصولي والليبرالي عن ضرورة التنصيص على إسلامية الدولة وعروبتها، في مقابل الاتجاه اللائكي الذي كان يرفض ذلك[4].
     وتشير الدراسات إلى أنّ التيار اللائكي لم يكن متمسكا تمسكا قويا برأيه، ويبدو ذلك لأنّه رأى أنّ أغلب النواب لا يذهبون مذهبه، لذلك حاول التأثير في الصياغة بما يعطي مسألة الهوية المرتبة الثالثة بعد السيادة وطبيعة النظام[5].

 دور علماء الزيتونة في الدفاع عن هوية البلاد (سنة قبل انعقاد التأسيسي)

     كان النصف الثاني من سنة ألف وتسعمائة وخمسة وخمسين، السنة التي أعلن فيها ما يسمّى بالاستقلال الداخلي (3 جوان 1955)، واتخاذ القرار بإحداث المجلس التأسيسي، تعالت أصوات تنادي جهرة بفصل الإسلام عن الدولة التونسية والنصّ على لائكية هذه الدولة في الدستور الذي سيصاغ في المجلس التأسيسي، وعقد لذلك مؤتمرات، وكتبت المقالات والتصريحات، وتحدّث بذلك في المجالس الحزبية سرّا وجهرا، نذكر على سبيل المثال:
     المؤتمر الذي عقدته الجامعة الدستورية بفرنسا في 24/25/جويلية/1955 في الحي الزيتوني ( وهو مؤتمر خاص بالشباب)، وممّا جاء في لائحته السياسية:«إنّ الدستور التونسي ينبغي أن يكون نظاما لائكيا، نظرا لاختلاف المتساكنين في عقائدهم، وتبعا لذلك تكون الحكومة التونسية»[6].
  وقد ذكرت هيئة تحرير المجلّة الزيتونية أنّ ما جاء في هذه اللائحة صدم جمهور الحاضرين من الدستوريين، الأمر الذي دفع بالطيّب المهيري بأن يردّ على ذلك واعتبره «طفرة شباب وتطرّف»، وتولّى مشائخ الزيتونة الردّ على هذه الدعوة الخطيرة، بالمجلّة الزيتونية، واعتبرت هذا الأمر محاولة من أصحابه لم تقدر على محاولته حكومة الاحتلال.

معركة الهوية

  أدرك العلماء أنّ إثبات الهوية العربية الإسلامية للدولة معركة ليست هيّنة، وإن كانت كلمات تثبت في وثيقة تسمّى دستورا، كما أدركوا أنّ ما تبيّته التيارات اللائكية والليبرالية لتونس أخطر من ذلك، وهو تغريب البلاد وطبعها بطابع الأوروبيين في القيم والمفاهيم والتشريعات، وإقصاء الإسلام تماما عن الحياة وحشره في الزوايا والمحاريب.
لذلك جنّدوا كلّ إمكاناتهم لتوعية الرأي العام الوطني، والتحذير من هذا المشروع التغريبي، وذلك من خلال الكتابة في الصحف والمجلاّت وإلقاء الدروس والخطب في الجوامع.
وكلّ جهودهم هذه ترصد المجلس التأسيسي وتتوسّل إلى التأثير فيه من خلال حملتهم العلمية في بيان حكم الشرع في هذا الموضوع.
 ونشير هنا إلى أمر بالغ الأهمّية وهو إقرار علماء الزيتونة بالمجلس التأسيسي كمؤسسة يصدر عنها وثيقة تنظم مبادئ الحكم وتحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم. لذلك لا نجد واحدا منهم أثر عنه منع إحداثه أو منع إنشاء هذه الوثيقة، وإنما تركّز اهتمامهم على المضامين وهي أن لا تكون هذه الوثيقة تشرع ما يخالف شريعة الإسلام وقيمه.
 ويمكن أن نذكّر أنّ اللائحة التي أصدرها المؤتمر الملّي التونسي في اجتماعه يوم الجمعة الثالث من ربيع الأول سنة ألف وثلاثمائة وخمسة وستين (1365 هـ) =(1946م)، والتي طالبت «بإجراء اقتراع شعبي عام حرّ لتشكيل مجلس تأسيسي تونسي يتولّى سنّ دستور لنظام الحكم الديمقراطي في البلاد» كانت من إعداد وصياغة الشيخ العلامة محمد الفاضل بن عاشور[7]، والمعلوم أنّ هذا الرجل كان يتصرّف في نشاطه السياسي والاجتماعي بمشاورة والده الإمام محمد الطاهر بن عاشور وتوجيه منه. فهي مسألة تكاد تكون مجمعا عليها بين علماء الزيتونة.

 مضامين الحملة العلمية وأبرز الشخصيات العلمية

نعتمد في هذا الرصد على المجلّة الزيتونية، في أعدادها الصادرة سنة(55).
شارك في هذه الحملة مجموعة من كبار العلماء المشهود لهم بالرسوخ في العلم، منهم: الإمام الشيخ محمد العزيز جعيط شيخ الإسلام المالكي، الشيخ محمد البشير النيفر المفتي المالكي، الشيخ محمد الهادي بن القاضي المفتي الحنفي، الشيخ محمد الشاذلي بن القاضي المدرس من الطبقة الأولى بجامع الزيتونة، وغيرهم كثير.
 وسأكتفي بمتابعة المضامين التي ركّز عليها شيخ الإسلام محمد العزيز جعيط، لأنّه كان الرجل الأبرز في هذا المجال، والأكثر كتابة فيه، والأوضح في ملامسة موضوع المجلس التأسيسي والدستور والتنصيص على الهوية الإسلامية للدولة ووجوب اعتماد الحكومة المنتظرة  مناهج الشريعة وأحكامها في قيامها بمهامّها.
1 ـ شمول الإسلام جميع مجالات الحياة:

  يقول الشيخ جعيط:«الدين الإسلامي رحب الساحة، ممتدّ الأطراف، لا ينحصر في نطاق الاعتقادات والعبادات، بل يتناول بنظره ما يحتاج إليه الفرد والجماعة والدولة من النظم والقوانين. ويتعيّن على الأمّة الإسلامية أن تكون نظمها على تعدّد أنواعها مستمدّة من دينها منضوية تحت لوائه غير خارجة عمّا عيّنه وأصّله»[8].

ويأخذ الشيخ في تعداد بعض المجالات:«فقد جاء الإسلام بنظام الإرث وأحكام الأحوال الشخصية والمعاملات المالية والعقوبات الزجرية وأمن الدولة وأمر الدفاع ونظام الشؤون المالية وغير ذلك من الشؤون العامّة»[9].

2 ـ بيان معيار شرعية الحكومات التي تحكم المسلمين، هو الالتزام بالإسلام وأحكامه وقيمه. أمّا حديثهم عن أصل مشروعية قيام حكومة تدير شؤون المسلمين فهو من الأحكام الضرورية الشرعية المسلّم بها.
  يتحدّث الشيخ جعيط عن الحكومة في سياق التسليم بأنّها من الواجبات التي كلّفت بها الشعوب الإسلامية بإقامتها لتحقّق مقاصد الشرع من وجوبها، الأمر الذي يدلّ على أنّ هذه المسألة لم تكن موضوع جدال بين طرفي الصراع في تونس، الإسلامي واللائكي، وإنّما موضوعه هل يعتمد في تأسيس دولة المستقبل على مقتضى التشريع الإسلامي أم لا؟، فهو يقول:«والدين الإسلامي وإن أوجب على الشعوب الإسلامية إقامة حكومة تحمي حماها وتذود عنها يد الاعتداء وتحفظ مصالحها وتوجّهها التوجيه الحسن وتسهر عمّا يكفل تقدّمها ورقيّها في الميدان العلمي والاقتصادي والاجتماعي، كما يدلّ عليه حديث «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية»، وأوجب على الشعوب الإسلامية طاعة حكوماتها والانقياد إليها والدفاع عنها؛ لكنّه لم يطلق العنان للحكومة في التصرّف كيف شاءت وعلى حسب هواها، بل أوجب أن يكون تصرّفها جاريا على الأوضاع الدينية لتتسنّى طاعتها، ففي الحديث الصحيح:«على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحبّ أوكره، إلاّ أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» المصدر 12. ويقول:«كيف يمكن أن يعتني الدين بالعباد منفردين، فيأمرهم وينهاهم، ويحتّم عليهم الخضوع لأوامره ونواهيه، ويهمل أمورهم في شكل الدولة مع أنّها أهمّ». المصدر ص13.
     وللتضييق على من ينادي بفصل الدين عن الدولة، يسارع الشيخ بنزع الصفة الإسلامية عن الحكومة المرتقبة إذا هي تخلّت عن التشريع الإسلامي، فيقول:«إنّ المسلم إذا لم يبح له الخروج عن سلطان الدين، ويعدّ امتناعه من قبول سلطة الدين بالأمر والنهي، موجبا لخروجه عن حظيرة الإسلام…فكيف يقبل أن تكون الحكومة غير خاضعة لسلطان الدين، وهل الحكومة إلاّ مجموع الأفراد. وما الفرق بين حكومة لا تتقيّد بأوامر الدين ونواهيه، وبين حكومة أجنبية لا تدين بالدين الإسلامي» المصدر ص13.
3 ـ التأكيد على قدرة الشريعة الإسلامية على مسايرة العصر وتحقيق مصالح الناس

 يؤكّد الشيخ على أنّ الشريعة الإسلامية قادرة على تحقيق مصالح الناس، من خلال ما أنتجه فقهاء المذاهب من تراث نفيس وثروة ثرّة شهد بقيمتها ذوو البصيرة النافذة من غير المسلمين» ص 13.

  لكنّه يقسّم هذه الثروة إلى قسمين:
  • قسم متفق فيه بينهم، مما ورد عن الشارع، لم يختلفوا فيه، فهذا «لا يسوغ العدول عنه بحال ولا يصحّ أن تمسّه يد التغيير». والذي يبتغي ذلك إنّما يفعله بناء على «تخيّلات موهومة ومصالح مزعومة ونظرات قاصرة مثارها الافتنان بالأوضاع الغربية».ص 13
  • وقسم مختلف فيه، وهو مستمدّ من الاجتهاد والاستنباط. وهذا «فيه فسحة الاختيار وإمكان التنقّل من مذهب أحد الفقهاء إلى غيره من بقية المذاهب لغرض صحيح، فلأفراد الشعب والحكومة أن تختار من مواقع الخلاف ما هو أوفق بحفظ مصالحها وحلّ مشاكلها وتيسير أمورها على الوجه الأتمّ». ص13
  وهذا التقسيم راجع إلى حكمة الإسلام ومزاياه، ومراعاته اختلاف الأزمان والبلدان لتتحقق صلاحية الشريعة الإسلامية لكلّ عصر، وذلك بـ«بيانه لكثير من الأحكام، وسكوته عن أشياء رحمة بالعباد، ليتسع الاجتهاد فيما وقع السكوت عنه ويلتمس حكمه من طريق التفهّم والاستنتاج مما وقع التصريح به» 13
4 ـ الردّ على القائلين بنبذ التشريع لتحقيق التقدّم والرقي، وبيان أنّ أصل هذه الفكرة تقليد الأوروبّيين في نبذ قوانين الكنيسة، وبيان الفرق بين تشريع الإسلام وبين قوانين الكنيسة. وهذا يدلّ على وعي علماء الزيتونة في ذلك الوقت بالصراع وخلفياته واطلاعهم على تاريخ الغرب وما حصل فيه من صراع بين الكنيسة ورعاياها.
يقول الشيخ جعيط:«إنّ من بواعث حيرة النفوس المطمئنّة بالإيمان وإثارة استغرابها إلى أقصى الحدود، أن يقرع سمعها صوت مسلم يعدّ نفسه من أهل الإيمان، ثم يرفع عقيرته بالدعوة إلى تقويض القوانين الشرعية، أو البحث في أصولها المسلّمة الثابتة بالكتاب أو السنّة أو الإجماع، وتشنّ غارة شعواء عليها، ويرى التحرّر منها ودكّ معالمها من لوازم رقي الأمّة وأسباب تقدّمها وبلوغها مستوى الأمم الغربية الراقية. وربّما استدلّ على ما يذهب إليه بحال الأمم الغربية التي لم تشرق عليها شمس الرقيّ ولا استنشقت نسيم الحضارة إلاّ بعد ما  حطّمت قوانين الكنيسة وعالجت وضع قوانينها بنفسها».
     وهذه لا شكّ دعوى اللائكيين الذين ينادون بفصل الدين عن الحياة، لذلك فإنّ الشيخ بعد أن يعرض هذه الدعوى ويبدي استغرابه من قائليها، لأنّهم مسلمين، والمفروض أن يكون لهم اطلاع على الإسلام، فإنّه يوجّههم إلى الفرق بين قوانين الإسلام وبين قوانين الكنيسة التي ثار عليها الأوروبيون، فيذكر فرقين:
  •  الأوّل: عدم اهتمام الدين المسيحي بالتشريع لمجالات الحياة، في مقابل الإسلام الذي شرّع ووضع الأصول والقواعد، فيقول:«مع الفرق الواضح والبون الشاسع، بين الدين المسيحي الذي لم يعالج قوانين المعاملات ولا الأحوال الشخصية ولا النظام ولا الدولي، وبين الدين الإسلامي الذي عالج هذه الشؤون وسنّ لها أصولا وقواعد».
  • الثاني: اختلاف مصدر التشريع، فهو في المسيحية الرهبان ورجال الكنيسة، وفي الإسلام  الله تعالى.
ولا يغفل الشيخ عن بيان السبب الذي جعل الأوربيون يقصون الكنيسة ورجالها عن التدخّل في شؤون الحياة، والذي لا يمكن أن يوجد في التشريع الإسلامي فيبيّن أنّ السبب يعود إلى طبيعة كلّ من التشريعين، فالتشريع الإسلامي راعى فيه واضعه تعالى مصالح العباد التي لا يعلمها إلاّ هو ولا تكسب العلماء بها هيمنة ولا سلطانا على الناس، بينما التشريع الكنسي راعى فيه أصحابه رغباتهم ونزواتهم في السيطرة على الناس وإكراههم على طاعتهم، قال الشيخ:«فقوانين الكنائس كان من وضع رجال الكنائس الذين أرادوا أن تكون السيطرة لهم في جميع شؤون الأمّة العامّة والخاصّة، لا من وضع الدين المسيحي؛ بخلاف القوانين الشرعية ـ الإسلامية ـ فهي وضع إلهي روعي فيه مصالح العباد التي لا يعرفها حقّ معرفتها إلاّ المنفرد بالعلم والتدبير. ويستوي فيها جميع الناس، ولا توجب للعالم بها سيطرة على بقية الناس، بل واجبه هو وغيره الخضوع لها والعمل بها، وإعلان أنّ الله هو المحلّل والمحرّم، والآمر والناهي، وما العالم إلاّ بمنزلة الترجمان عن الله، فلا يأتي بشيء من عنده، وإنّما ينقل للناس ما حكم الله، قال الله تعالى في كتابه المبين مخاطبا رسولَه الأمين:]قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [[آل عمران:64]»[10].
5 ـ وحدة التشريع يحقّق وحدة الأمة في الزمن وعبر التاريخ، وأنّ الدعوة إلى نبذ التشريع الإسلامي تمزيق لهذه الوحدة ولتواصلها.
وخلاصة هذه الفكرة: أنّ الفقه الإسلامي من أكبر العوامل في بناء الوحدة الإسلامية، وأنّ إقصاء هذا الفقه يؤدّي بالمسلمين إلى الفرقة، وقطع حبل التواصل والاهتداء بين السابقين واللاحقين، وذلك من عوامل نقض هذه الوحدة وتخريبها[11].
6 ـ التأكيد على وجوب النصّ في الدستور على إسلامية الحكومة
الحقّ أنّ الشخص البارز الذي نافح عن ضرورة أن تكون الدولة التونسية دولة إسلامية، وأن يوثّق ذلك في الدستور الذي يعدّه المجلس التأسيسي سنة (56)، ، وواجه التيار اللاّئكي وعلى رأسهم الرئيس المخلوع الأول، مواجهة علمية فاضحة لخلفيات هذا التيار، هو الشيخ محمد العزيز جعيط شيخ الإسلام المالكي ـ رحمه الله تعالى ـ (عضو المجلس الشرعي). وذلك من خلال مقالاته خاصة في «المجلّة الزيتونية»، ومن على منبر الجمعة بجامع «الحلق».
     وخطابه المشهور يوم عيد الأضحى أمام الملك محمد الأمين الأوّل، الذي صدع فيه بإنكار ما يتطلّع إليه التيار العلماني وعلى رأسهم الرئيس المخلوع الأوّل من فصل الدين عن الدولة وإعلان أنّ تونس دولة لائكية في فصول الدستور الذي هو بصدد الإعداد، وكان في إنكاره هذا صارما شديدا وفاضحا لمن وراء ذلك وهم اللائكيون، واستعداده ـ ومن ورائه الهيئة الشرعية ومن ثمّ علماء الإسلام بتونس ـ لمقاومة مشروعهم المخيّب للآمال، والناكر لجميل النعمة الإلهية على الشعب التونسي بنيل الاستقلال، قال ـ رحمه الله تعالى ـ في خطابه:«بما أنّنا أمّة إسلامية تفخر بدينها، وتعتزّ بانتسابها إليه، وتعتقد أنّ سعادتها رهينةُ التمسّك بتعاليمه ومبادئه، فإنّا نعلن عن إنكارنا ومقاومتنا لإقحام اللاّئكية فيما عسى أن يحدث من نظم لهذا البلد الذي خلقنا من تربته وطبعنا على محبّته وأخلصنا لله في خدمته (معاني الوطنية الحقّة). ونسجّل أمام هذا الجمع الرهيب (بمن فيهم المخلوع الأوّل وحكومته الوقتية) أنّ إهمال التنصيص في دستوره على أنّ حكومته إسلامية تدين بالإسلام، بله التسجيل بأنّها لائكية النظام، باعثٌ قويّ على التفرّق والانقسام، وقطعِ حبلِ الوئام، ومثيرٌ لفتنة مشتعلةٍ شديدة الاضطرام، لا يعلم غايتها إلاّ الملكُ العلاّمُ. زيادة على كونه سبّةً يسم هذا البلد بطابع المعرّة لا يمحوها كرّ الليالي والأيام. وما أغنى الوطن عن إثارة مثل هذه الفتن،…، وهل من شكر نعمة الاستقلال تنكّرُنا لديننا وحافظ حياتنا. فليحذر المسؤولون من مغبّة الاندفاع في تيار التقليد. ولنذكر جميعا أنّه يهون على المسلم أن تصاب نفسه ويسلم له دينه المجيد»[12]. وهذا كلام من قبل الهيئة الشرعية ـ رحمهم الله تعالى ـفي غاية الاستنفار للتصدي لعلمنة الدولة  ولائكيتها .
  ونشير أنّ هذا الخطاب كان قد ألقاه باسم الهيئة الشرعية، كما جاء في مفتتح كلامه.
7 ـ المطالبة بتوثيق المرجعية الإسلامية للدولة في الدستور حتى توصف بأنها إسلامية وأنّ ذلك لا يجوز أن يكون محلّ نقاش.
لقد بلغ الشيخ في دفاعه عن هذا المبدأ إلى حدّ أنّه جعل وصف الدولة بأنّها إسلامية لا يحصل إلاّ بتثبيت ذلك في الدستور، فقد قال:«كون الدولة إسلامية تؤسّس نظمها على مبادئ الدين الإسلامي لا يصحّ أن يكون مجالا للبحث والاستشارة، ويذكر ذلك في الدساتير الإسلامية كقاعدة كلّية يرجع إليها عند النظر في الجزئيات»[13].
 وبعد هذا، نسأل هل آتت جهود هؤلاء العلماء الأفاضل في توجيه المجلس التأسيسي رغم بعدهم عنه؟ يمكن أنّ يكون ذلك قد تحقّق. والأمر يحتاج إلى مزيد البحث. ولكن الذي نعتقده أنّ قادة علماء الزيتونة قاموا بواجبهم، وأخلوا ذمّتهم، ونصحوا أبناء وطنهم غاية النصح.
كتبه: الشيخ الحبيب بن طاهر

[1]) انظر المجلس القومي التأسيسي التونسي: 26.
[2]) نفس المصدر.
[3]) المجلس القومي التأسيسي: 30.
[4]) انظر نفس المصدر:76.
[5]) انظر نفس المصدر: 76.
[6]) المجلة الزيتونية: م 9/ ج 4/ ص 220.
[7]) الشيخ محمد الفاضل بن عاشور، مسيرته العلمية والإصلاحية: 532، 533.
[8]) المجلّة الزيتونية: م2/ج1/ ص12.
[9]) المجلّة الزيتونية: م2/ج1/ ص12.
[10]) المجلة الزيتونية: م 9/ج 1/ ص 14.
[11]) انظر المجلة الزيتونية: م 9/ج 1/ ص 14.
[12]) المجلّة الزيتونية: م 9/ ج 4/ ص 219.
[13]) المجلة الزيتونية: م 9/ ج 4/ ص 196.
قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...
%d مدونون معجبون بهذه: