للمناظرة ثقافتها وآدابها ورجالها

0 108

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

المناظرة – كما عرفها طاش كبرى زاده في منظومته – :

هي النظر من جانبي خصمين معلل وسائل اثنين

في نسبة بينهما حكميّه ليظهر الصواب والخفيّه

وعرّفها الكفوي في الكليات بقوله: “هي النظر بالبصيرة من الجانبين في النسبة بين الشيئين إظهارا للصواب، وقد يكون مع نفسه”.

وعرّفها الجرجاني في التعريفات بقوله: “المناظرة: لغة من النظير أو من النظير بالبصيرة. واصطلاحا هي النظر بالبصيرة من الجانبين في النسبة بين الشيئين إظهارا للصواب”.

والغرض من المناظرة -كما تبيّن من تعريفها – إظهار الصواب وبيان الحقيقة، وليس الغرض منها مجرّد “المنازعة في المسألة العلمية لإلزام الخصم سواء كان كلامه في نفسه فاسدا أو لا”، فتلك المجادلة كما أفادنا الكفوي في كلياته.

و للمناظرة ثقافتها بمعنى أنّ المناظرة فنّ قائم الذات يتطلّب الإلمام بأصول فنّ البحث ليحسن التواصل بين الطرفين، ولتتحقّق الإفادة، ويسهل الوصول إلى غاية المناظرة التي هي -كما أسلفنا- إظهار الصواب والحقيقة. ومن أصول فنّ البحث وقواعد المناظرة، قول زين المرصفي في منظومته:

إن قلت قولا ذا تمام خبري إذا نقلت فيه عن معتبري

فيطلب التصحيح للنقل إذا لم تلتزم فيما نقلته لذا

أو ادّعيت يطلب الدليل إن كان غير واضح ذا القيل

وقوله:

ولا يجوز النقض بالتطويل ونحوه مثل خفاء القيل

إلا خفاء التعريف عن معرّف فإنّ فيه النقض يأتي فاعرف

ومن ثقافة المناظرة أن يعلم كيف يكون الانتهاء منها والتوقف عن الكلام؛ فليست هي مجادلة ومكابرة ومعاندة يفتح فيها المجال لكلّ طرف ليتكلّم بما يشاء، فلا يعلم المتابع كيف ابتدأت ولا كيف انتهت، إنما هي فنّ إظهار الحقّ الذي يعلم بالإفحام أو الإلزام. قال زين المرصفي:

ثمّ لدى نهاية المناظره وذكر كلّ منهما ما حرّره

فعجز مدّع دعوا إفحاما وسائل في عرفهم إلزاما

وقال تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.

وللمناظرة آدابها، ومنها قول طاش كبرى زاده في منظومته:

ولا يظنّ خصمه حقيرا وليلزم التعظيم والتوقيرا

ومنها قول الشافعي:

إذا ما كنت ذا فضل وعلم بما اختلف الأوائل والأواخر

فناظر من تناظر في سكون حليما لا تلح ولا تكابر

يفيدك ما استفاد بلا امتنان من النكت اللطيفة والنوادر

وإياك اللجوج ومن يرائي بأني قد غلبت ومن يفاخر

فإن الشر في جنبات هذا يمنّي بالتقاطع والتدابر

فالعجب كلّ العجب ممن يخوض مناظرة ليظهر فيها الحقّ، ومع ذلك تجده يفتخر بأنه يحفظ القرآن أو يجهّل خصمه ويصفه بالجهل المركّب. فهل القصد من المناظرة إظهار الحقّ أم إظهار الذات والافتخار بالعلم؟! وهل القصد من المناظرة إلزام الخصم بالحقّ هداية له وترشيدا أم تحقيره؟ وإذا كنت ترى خصمك حقيرا جاهلا غير جدير بمناظرتك وغير كفء لك، فهل يليق بمن يزعم أنه عالم مناظرة الجاهل؟

وللمناظرة رجالها بمعنى أنّ المناظرة لا يقدر عليها كلّ من هبّ ودبّ؛ فهناك من العلماء الواعظ الداعية الذي يبكيك في درسه؛ لأنه قصّاص يحسن الاستشهاد بمواقف وعبر تليّن النفوس وتدمع العيون. وهناك من العلماء الفقيه الذي يعلّمك أحكام دينك، والأصولي الذي يعلّمك قواعد فهم دينك. وهناك أيضا العالم النظار الذي امتلك ملكة النقاش والحوار، وأجاد فنّ المناظرة. فليس بالضرورة أن يصلح الواعظ الداعية الحافظ للقرآن للمناظرة بل قد يكون هذا الواعظ حجة على القرآن وليس حجة له.

ورجل المناظرة يتمتّع بصفات معيّنة كسعة الإطلاع على المعارف المختلفة وعمق الفكر وسرعة البديهة ودقّة النظر والفطنة.

فإذا حدّثك واحد عن الأنسنة (humanisme) فعليك أن تفهم معناها قبل الردّ. ولا يتأتى فهم المعنى بدون إلمام معرفي بثقافة الغرب وتياراته الفكرية أو دون الإلمام بثقافة دعاة الحداثة في بلدنا. ومن هنا، فلا يصلح الداعية الحافظ للقرآن لمناظرة أصحاب الإسلام التطبيقي مثلا (Islamologie appliquée)؛ لأنه جاهل بهذا الأمر، وسيكون حجة على الإسلام وليس حجة له.

وإذا قرّرت أمرا، فعليك أن تدرك أبعاده وتفكّر في عواقبه. فإذا قلت مثلا: الخمار حرّية شخصية، فعليك أن تدرك عواقب الكلام، فيقال لك مثلا: العري أيضا حرية شخصية. ثمّ إن الخمار ليس حرّية شخصية ترك أمره للمسلمة تقرّر إذا شاءت لبسته وإذا شاءت تركته بل هو فريضة عليها لا اختيار لها فيه من وجهة نظر شرعية. ومثال ذلك أيضا: إذا قلت إن التكفير لا يكون إلا من طرف محكمة، وحصرت الأمر في القضاء، سيقال لك: وأين القضاء المهتمّ بالتكفير في تونس؟ أو يقال لك: يا شيخ، جاءك رجل يسأل: ابنتي تريد الزواج من ملحد لا يؤمن بالله، فهل يجوز هذا؟ ستقول: لا يجوز. سيسألك لماذا؟ ستقول: لأنه كافر. فها أنت قد كفّرت دون محكمة أو قضاء. وإذا قلت: لا أجيب. فتلك مصيبة أخرى.

وإذا ناظرت أحدا فلبيان الحقّ وليس لتبرير الباطل. ومثال ذلك مسألة التكفير: فتكفير القول لا يعني بالضرورة تكفير صاحب القول، وعدم تكفير صاحب القول لا يعني أسلمة القول. فالناس اليوم يهاجمون الصحوة الإسلامية بمسألة التكفير، فيأخذ العالم في الدفاع عن الصحوة فينكر التكفير، إلا أنّه يقع في الفخّ ويبرّر الكفر.

وإذا ناظرت أحدا فعليك أن تحلّل كلامه لتدرك الظاهر من الباطن. فقد يتكلّم سارتر بلسان الجنيد، وقد تتكلّم سيمون دي بوفوار بلسان رابعة العدوية.

وإذا ناظرت أحدا فعليك أن تكون سريع البديهة لتفكّك كلامه وتردّ عليه. ومثال ذلك: إذا قال لك أحد: اللائكية والعلمانية من المصطلحات الغريبة الغربية، فلا يعني ذلك أنه لا يقول بفصل الدين عن الدولة؛ لذلك سارع بسؤاله: هل الإسلام دين ودولة أم لا؟ ومثال ذلك أيضا: إذا قال لك أحد: أنا لا أبيح اللواط والسحاق، فلا يعني ذلك أنه لا يبيح المثلية الجنسية؛ لذلك سارع بسؤاله: وما هو اللواط؟ وما رأيك في المثلية الجنسية؟

وختاما نقول: لا يصلح للمناظرة إلا من كان من رجالها وألمّ بثقافتها وآدابها.

الكاتب: ياسين بن علي

29 ربيع الأول 1433هـ

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...
%d مدونون معجبون بهذه: